تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

6.49

﴿ والذين كذبوا بئايتنا يمسهم العذاب ﴾ جعل العذاب ماسا لهم كأنه الطالب للوصول إليهم، واستغنى بتعريفه عن التوصيف. ﴿ بما كانوا يفسقون ﴾ بسبب خروجهم عن التصديق والطاعة.

6.50-55

﴿ قل لا أقول لكم عندى خزائن الله ﴾ مقدوراته أو خزائن رزقه. ﴿ ولا أعلم الغيب ﴾ ما لم يوح إلي ولم ينصب عليه دليل وهو من جملة المقول. ﴿ ولا أقول لكم إنى ملك ﴾ أي من جنس الملائكة، أو أقدر على ما يقدرون عليه. ﴿ إن أتبع إلا ما يوحى إلي ﴾ تبرأ عن دعوى الألوهية والملكية، وادعى النبوة التي هي من كمالات البشر ردا لاستبعادهم دعواه وجزمهم على فساد مدعاه. ﴿ قل هل يستوى الأعمى والبصير ﴾ مثل للضال والمهتدي، أو الجاهل والعالم، أو مدعي المستحيل كالألوهية والملكية ومدعي المستقيم كالنبوة. ﴿ أفلا تتفكرون ﴾ فتهتدوا أو فتميزوا بين ادعاء الحق والباطل، أو فتعلموا أن اتباع الوحي مما لا محيص عنه.

﴿ وأنذر به ﴾ الضمير لما يوحى إلي. ﴿ الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم ﴾ هم المؤمنون المفرطون في العمل، أو المجوزون للحشر مؤمنا كان أو كافرا مقرا به أو مترددا فيه، فإن الإنذار ينفع فيهم دون الفارغين الجازمين باستحالته. ﴿ ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع ﴾ في موضع الحال من يحشروا فإن المخوف هو الحشر على هذه الحالة. ﴿ لعلهم يتقون ﴾ لكي يتقوا.

﴿ ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشى ﴾ بعدما أمره بإنذار غير المتقين ليتقوا أمره بإكرام المتقين وتقريبهم وأن لا يطردهم ترضية لقريش. روي أنهم قالوا: لو طردت هؤلاء الأعبد يعنون فقراء المسلمين كعمار وصهيب وخباب وسلمان جلسنا إليك وحادثناك فقال:

" ما أنا بطارد المؤمنين "

قالوا: فأقمهم عنا إذا جئناك قال «نعم». وروي أن عمر رضي الله عنه قال له: لو فعلت حتى ننظر إلى ماذا يصيرون فدعا بالصحيفة وبعلي رضي الله تعالى عنه ليكتب فنزلت. والمراد بذكر الغداة والعشي الدوام، وقيل صلاتا الصبح والعصر. وقرأ ابن عامر بالغدوة هنا وفي الكهف. ﴿ يريدون وجهه ﴾ حال من يدعون، أي يدعون ربهم مخلصين فيه قيد الدعاء بالإخلاص تنبيها على أنه ملاك الأمر. ورتب النهي عليه إشعارا بأنه يقتضي إكرامهم وينافي إبعادهم. ﴿ ما عليك من حسابهم من شىء وما من حسابك عليهم من شيء ﴾ أي ليس عليك حساب إيمانهم فلعل إيمانهم عند الله أعظم من إيمان من تطردهم بسؤالهم طمعا في إيمانهم لو آمنوا، أو ليس عليك اعتبار بواطنهم وإخلاصهم لما اتسموا بسيرة المتقين وإن كان لهم باطن غير مرضي كما ذكره المشركون وطعنوا في دينهم فحسابهم عليهم لا يتعداهم إليك، كما أن حسابك عليك لا يتعداك إليهم. وقيل ما عليك من حساب رزقهم أي من فقرهم. وقيل الضمير للمشركين والمعنى: لا تؤاخذ بحسابهم ولا هم بحسابك حتى يهمك إيمانهم بحيث تطرد المؤمنين طمعا فيه. ﴿ فتطردهم ﴾ فتبعدهم وهو جواب النفي ﴿ فتكون من الظلمين ﴾ جواب النهي ويجوز عطفه على فتطردهم على وجه التسبب وفيه نظر.

﴿ وكذلك فتنا بعضهم ببعض ﴾ ومثل ذلك الفتن، وهو اختلاف أحوال الناس في أمور الدنيا. ﴿ فتنا ﴾ أي ابتلينا بعضهم ببعض في أمر الدين فقدمنا هؤلاء الضعفاء على أشراف قريش بالسبق إلى الإيمان. ﴿ ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا ﴾ أي أهؤلاء من أنعم الله عليهم بالهداية والتوفيق لما يسعدهم دوننا، ونحن الأكابر والرؤساء وهم المساكين والضعفاء. وهو إنكار لأن يخص هؤلاء من بينهم بإصابة الحق والسبق إلى الخير كقولهم:

لو كان خيرا ما سبقونا إليه

[الأحقاف: 11] واللام للعاقبة أو للتعليل على أن فتنا متضمن معنى خذلنا ﴿ أليس الله بأعلم بالشكرين ﴾ بمن يقع منه الإيمان والشكر فيوقفه وبمن لا يقع منه فيخذله.

﴿ وإذا جاءك الذين يؤمنون بئايتنا فقل سلم عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة ﴾ الذين يؤمنون هم الذين يدعون ربهم وصفهم بالإيمان بالقرآن واتباع الحجج بعدما وصفهم بالمواظبة على العبادة، وأمره بأن يبدأ بالتسليم أو يبلغ سلام الله تعالى إليهم ويبشرهم بسعة رحمة الله تعالى وفضله بعد النهي عن طردهم، إيذانا بأنهم الجامعون لفضيلتي العلم والعمل، ومن كان كذلك ينبغي أن يقرب ولا يطرد، ويعز ولا يذل، ويبشر من الله بالسلامة في الدنيا والرحمة في الآخرة. وقيل إن قوما جاءوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: إنا أصبنا ذنوبا عظاما فلم يرد عليهم شيئا فانصرفوا فنزلت. ﴿ أنه من عمل منكم سوءا ﴾ استئناف بتفسير الرحمة. وقرأ نافع وابن عامر وعاصم ويعقوب بالفتح على البدل منها. ﴿ بجهالة ﴾ في موضع الحال أي من عمل ذنبا جاهلا بحقيقة ما يتبعه من المضار والمفاسد، كعمر فيما أشار إليه، أو ملتبسا بفعل الجهالة فإن ارتكاب ما يؤدي إلى الضرر من أفعال أهل السفه والجهل. ﴿ ثم تاب من بعده ﴾ بعد العمل أو السوء. ﴿ وأصلح ﴾ بالتدارك والعزم على أن لا يعود إليه. ﴿ فأنه غفور رحيم ﴾ فتحه من فتح الأول غير نافع على إضمار مبتدأ أو خبر أي فأمره أو فله غفرانه.

انوار التنزيل واسرار التأويل · الصفحة ٣٧٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

انوار التنزيل واسرار التأويلص ٣٧٥