وقضينآ إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدن في الأرض مرتين ولتعلن علوا كبيرا
[الإسراء: 4]. وقد قال في آخر سورة الإسراء:
وقلنا من بعده لبني إسرائيل اسكنوا الأرض فإذا جآء وعد الآخرة جئنا بكم لفيفا
[الإسراء: 104]. والمجيء بهم لفيفا إنما يعني أن يجمعهم في وطن قومي لتأتي لهم الضربة القاصمة التي ذكرها الحق سبحانه في قوله:
.. فإذا جآء وعد الآخرة ليسوءوا وجوهكم وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة وليتبروا ما علوا تتبيرا
[الإسراء: 7]. لأننا لن نستطيع أن نحاربهم في كل بلد من البلاد التي قطعهم الله فيها، لكنهم حين يجتمعون في مكان واحد، إنما يسهل أن ينزل عليهم قضاء الله. وحين ننظر إلى رحلتهم نجد أن " يثرب " كانت المكان الذي اتسع لهم بعد اضطهادات المجتمعات التي دخلوا إليها، وحين اجتمعوا في يثرب صار لهم الجاه لأنهم أهل علم، وأهل اقتصاد، وأهل حرب. وهم قد اجتمعوا في المدينة لأن المخلصين من أهل الكتاب أخبروهم أن هذه المدينة هي المهجر لنبي ورسول يأتي من العرب في آخر الزمان فمكثوا فيها انتظارا له، وكانوا يقولون لكفار قريش: " لقد أظل زمان يأتي فيه نبي نتبعه، ونقتلكم فيه قتل عاد وإرم ". وكان من المفروض أن يؤمنوا برسالته صلى الله عليه وسلم، لكنه ما إن أطل رسول الله صلى الله عليه وسلم بنور رسالته حتى أنكروه خوفا على سلطتهم الزمنية.
وهو ما تقول عنه الآية الكريمة التي نحن بصدد خواطرنا عنها: ﴿ فما اختلفوا حتى جآءهم العلم.. ﴾ [يونس: 93]. أي: أن علمهم بمجيء الرسول صلى الله عليه وسلم هو مصدر اختلافهم، فمنهم من سمعوا إشارات عنه صلى الله عليه وسلم وعرفوا علاماته صلى الله عليه وسلم فآمنوا به، ومنهم من لم يؤمن به. وهم لم يختلفوا من قبل وكانوا متفقين، وتوعدوا المشركين من قريش. وما إن أهل الرسول صلى الله عليه وسلم وعلمت به " الأوس " و " الخزرج " أنه رسول من الله تعالى قد ظهر بمكة، فقالت الأوس والخزرج: إنه النبي الذي توعدتنا به يهود، فهيا بنا لنذهب ونسبقهم إليه قبل أن يسبقونا، فيقتلونا به. فكأن اليهود هم الذين تسببوا في هجرة النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة لأن الأوس والخزرج سبقوهم إليه وهذا لنعلم كيف ينصر الله تعالى دينه بأعدائه. ولذلك نجد أنهم في اختلافهم يأتي عبد الله بن سلام إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقول: إن اليهود قوم بهت، وإذا أنا آمنت بك يا رسول الله سيقولون في ما يسيء إلي لذلك فقبل أن أعلن إسلامي اسألهم عني. وكان ابن سلام في ذلك يسلك سلوكا يتناسب مع كونه يهوديا، ولما اجتمع معشر اليهود، سألهم النبي صلى الله عليه وسلم وقال: ما تقولون في ابن سلام؟ قالوا: حبرنا وشيخنا وهو الورع فينا، وبعد أن أثنوا عليه ثناء عظيما، قال ابن سلام: يا رسول الله أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله. وهنا بدأ اليهود يكيلون له السباب، فقال ابن سلام: ألم أقل لك يا رسول الله إنهم قوم بهت؟ إذن: فمعنى قوله سبحانه: ﴿ فما اختلفوا حتى جآءهم العلم.. ﴾ [يونس: 93]. أي: أن أناسا منهم بقوا على الباطل، وأناسا منهم آمنوا بالرسول الحق صلى الله عليه وسلم. وينهي الحق سبحانه الآية الكريمة بقوله تعالى: ﴿.. إن ربك يقضي بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون ﴾ [يونس: 93]. أي: أن الله سبحانه وتعالى سوف يقضي بين ما جاءوا في صف الإيمان، وبين من بقوا على اليهودية المتعصبة ضد الإيمان. ونحن نلحظ أن كلمة ﴿ بينهم ﴾ توضح أن الضمير عام، لهؤلاء ولأولئك. ونقول: إن الحق سبحانه وتعالى يقضي يوم القيامة بين المؤمنين والكافرين، ويقضي أيضا بين الكافرين، فمنهم من كان ظالما لكافر، ومنهم من كان مختلسا أو مرتشيا، ومنهم من عمل على غير مقتضى دينه لذلك يقضي الله سبحانه بينهم. والآية تفيد العموم في القضاء ماضيا وحاضرا ومستقبلا بين كل مؤمن وكافر، وبين كل تائب وعاص. ويقو الحق سبحانه بعد ذلك: ﴿ فإن كنت في شك ممآ أنزلنآ إليك... ﴾.