تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وضربت عليهم الذلة والمسكنة..

[البقرة: 61]. وهم يحتمون بتواجدهم معا، فإن حدث أمر من الأمور يفزعهم يصبح من السهل عليهم أن يلتقوا. أو ﴿ واجعلوا بيوتكم قبلة.. ﴾ [يونس: 87]. أي: أن يكون تخطيط الأماكن والشوارع التي تبنى عليها البيوت في اتجاه القبلة. وأي خطأ معماري مثل الذي يوجد في تربيعة بناء مسجد الإمام الحسين بالقاهرة، هذا الخطأ يوجب الاتجاه إلى اليمين قليلا مما يسبب بعض الارتباك للمصلين لأن الانحراف قليلا إلى اليمين في أثناء الصلاة يقتضي أن يقصر كل صف خلف الصف الآخر. وحين نصلي في المسجد الحرام بمكة، نجد بعضا من المصلين يريدون مساواة الصفوف، وأن تكون الصفوف مستقيمة، فنجد من ينبه إلى أن الصف يعتدل بمقدار أطول أضلاع الكعبة، ثم ينحني الصف. وكذلك في الأدوار العليا التي أقيمت بالمسجد الحرام نجد الصفوف منحنية متجهة إلى الكعبة.

ولذلك أقول دائما حين أصلي بالمسجد الحرام: إن معنى قول الإمام: " سووا صفوفكم " أي: اجعلا مناكبكم في مناكب بعضكم بعض، أما خارج الكعبة فيكفي أن نتجه إلى الجهة التي فيها الكعبة، ونحن خارج الكعبة لا نصلي لعين الكعبة، ولكننا نصلي تجاه الكعبة لأننا لو كنا نصلي إلى عين الكعبة لما زاد طول الصف في أي مسجد عن اثني عشر مترا وربع المتر، وهو أطول أضلاع الكعبة. وقول الحق سبحانه هنا: ﴿ واجعلوا بيوتكم قبلة.. ﴾ [يونس: 87]. أي: خططوا في إقامة البيوت أن تكون على القبلة، وبعض الناس يحاولون ذلك، لكن تخطيط الشوارع والأحياء لا يساعد على ذلك. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ وأقيموا الصلاة.. ﴾ [يونس: 87]. وهذا الأمر نفهم منه أن الصلاة فيها استدامة الولاء لله تعالى، فنحن نشهد ألا إله إلا الله مرة واحدة في العمر، ونزكي - إن كان عندنا مال - مرة واحدة في السنة، ونصوم - إن لم نكن مرضى - شهرا واحدا هو شهر رمضان، ونحج - إن استطعنا - مرة واحدة في العمر. ويبقى ركن الصلاة، وهو يتكرر كل يوم خمس مرات، وإن شاء الإنسان فليزد، وكأن الحق سبحانه وتعالى هنا ينبه إلى عماد الدين وهي الصلاة. ولكن من الذي اختار المكان في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها؟ هل هو موسى وأخوه هارون؟ أم أن الخطاب لكل القوم. نلحظ هنا أن الأمر بالتبوء هو لموسى وهارون - عليهما السلام - أما الأمر بالجعل فهو مطلوب من موسى وهارون والأتباع لذلك جاء الجعل هنا بصيغة الجمع. وينهي الحق سبحانه الآية الكريمة بقوله: ﴿.. وبشر المؤمنين ﴾ [يونس: 87]. وفي هذا تنبيه وإشارة إلى أن موسى هو الأصل في الرسالة لذلك جاء له الأمر بأن يحمل البشارة للمؤمنين. ونلحظ هنا في هذه الآية أن الحق سبحانه جاء بالتثنية في التبوء، وجاء بالجمع في جعل البيوت، ثم جاء بالمفرد في نهاية الآية لينبهنا إلى أن موسى - عليه السلام - هو الأصل في الرسالة إلى بني إسرائيل. والبشرى على الأعمال الصالحة تعني: التبشير بالجنة. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: ﴿ وقال موسى ربنآ إنك آتيت فرعون... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٢٥٢٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٢٥٢٣