تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وإن من أمة إلا خلا فيها نذير..

[فاطر: 24]. وقص علينا الله سبحانه قصص بعضهم، ولم يقصص قصص البعض الآخر. يقول الحق سبحانه:

منهم من قصصنا عليك ومنهم من لم نقصص عليك وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله..

[غافر: 78]. وهنا يقول الحق سبحانه: ﴿ ثم بعثنا من بعده رسلا إلى قومهم فجآءوهم بالبينات.. ﴾ [يونس: 74]. فهل هؤلاء هم الرسل الذين لم يذكرهم الله؟ لا لأن الحق سبحانه أرسل بعد ذلك هودا إلى قوم عاد، وصالحا إلى ثمود، وشعيبا إلى مدين، ولم يأت بذكر هؤلاء هنا، بل جاء بعد نوح - عليه السلام - بخبر موسى عليه السلام، وكأنه شاء سبحانه هنا أن يأتي لنا بخبر عيون الرسالات. وما دام الحق سبحانه قد أرسل رسلا إلى قوم، فكل قوم كان لهم رسول، وكل رسول بعثه الله تعالى إلى قومه. وكلمة " قوم " في الآية جمع مضاف، والرسل جمع، ومقابلة الجمع بالجمع تقتضي القسمة آحادا، مثلما نقول: هيا اركبوا سياراتكم، والخطاب لكم جميعا، ويعني: أن يركب كل واحد منكم سيارته. وجاء كل رسول إلى قومه بالبينات، أي: بالآيات الواضحات الدالة على صدق بلاغهم عن الله تعالى. ثم يقول الحق سبحانه في نفس الآية: ﴿ فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل كذلك نطبع على قلوب المعتدين ﴾ [يونس: 74].

أي: أن الناس جميعهم لو آمنوا لانقطع الموكب الرسالي، فموكب إيمان كل البشر لم يستمر، بل جاءت الغفلة، وطبع الله تعالى على قلوب المعتدين. والطبع - كما نعلم - هو الختم. ومعنى ذلك أن القلب المختوم لا يخرج ما بداخله، ولا يدخل إليه ما هو خارجه فما دام البعض قد عشق الكفر فقد طبع الله سبحانه على هذه القلوب ألا يدخلها إيمان، ولا يخرج منها الكفر، والطبع هنا منسوب لله تعالى. وبعض الذين يتلمسون ثغرات في منهج الله تعالى يقولون: إن سبب كفرهم هو أن الله هو الذي طبع على قلوبهم. ونقول: التفتوا إلى أنه سبحانه بين أنه قد طبع على قلوب المعتدين، فالاعتداء قد وقع منهم أولا، ومعنى الاعتداء أنهم لم ينظروا في آيات الله تعالى، وكفروا بما نزل إليهم من منهج، فهم أصحاب السبب في الطبع على القلوب بالاعتداء والإعراض. وجاء الطبع لتصميمهم على ما عشقوه وألفوه، والحق سبحانه وتعالى هو القائل في الحديث القدسي:

" أنا أغنى الشركاء عن الشرك ".

ولله المثل الأعلى، فأنت تقول لمن يسدر في غيه: ما دمت تعشق ذلك الأمر فاشبع به. ومثل هؤلاء الذين طبع الله سبحانه وتعالى على قلوبهم، مثل الذين كذبوا من قبل وكانوا معتدين. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: ﴿ ثم بعثنا من بعدهم موسى وهارون... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٢٥٠٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٢٥٠٩