[النور: 55]. إذن: فالخليفة إما أن يكون خليفة لصالح، وإما أن يكون صالحا يخلف فاسدا. وهنا يقول الحق سبحانه: ﴿ وجعلناهم خلائف وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنا.. ﴾ [يونس: 73]. والآيات - كما قلنا من قبل - إما آيات الاعتبار التي تهدي إلى الإيمان بالقوة الخالقة، وهي آيات الكون كلها، فكل شيء في الكون يدلك على أن هذا الكون مخلوق على هيئة ولغاية، بدليل أن الأشياء في هذا الكون تنتظم انتظاما حكيما. وإذا أردت أن تعرف دقة هذا الخلق، فانظر إلى ما ليدك فيه دخل، وما ليس ليدك فيه دخل ستجد كل ما ليس ليدك فيه دخل على درجة هائلة من الاستقامة، والحق سبحانه يقول:
لا الشمس ينبغي لهآ أن تدرك القمر ولا اليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون
[يس: 40]. أما ما ليدك فيه دخل، فاختيارنا حين يتدخل فهو قد يفسد الأشياء. وهكذا رأينا أن الآيات الكونية تلفت إلى وجود الخالق سبحانه وهي مناط الاستدلال العقلي على وجود الإله، أو أن الآيات هي الأمور العجيبة التي جاءت على أيدي الرسل - عليهم السلام - لتقنع الناس بأنهم صادقون في البلاغ عن الله سبحانه وتعالى. ثم هناك آيات القرآن الكريم التي يقول فيها الحق سبحانه:
هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب..
[آل عمران: 7]. وهي الآيات التي تحمل المنهج. وحين يقول الحق سبحانه: ﴿ وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنا.. ﴾ [يونس: 73]. فهو يعلمنا أنه أغرق من كذبوا بالآيات الكونية ولم يلتفتوا إلى بديع صنعه سبحانه، وحكمة تكوين هذه الآيات، وترتيبها ورتابتها، وهم أيضا كذبوا الآيات المعجزات، وكذلك كذبوا بآيات الأحكام التي جاءت بها رسلهم.
وينهي الحق سبحانه وتعالى هذه الآية بقوله: ﴿ فانظر كيف كان عاقبة المنذرين ﴾ [يونس: 73]. والخطاب هنا لكل من يتأتى منه النظر، وأولهم سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وهو أول مخاطب بالقرآن. وأنت حين تقول: " انظر " فأنت تلفت إلى أمر حسي، إن وجهت نظرك نحوه جاء الإشعاع من المنظور إليه، ليرسم أبعاد الشيء فتراه. والكلام هنا عن أمور غائبة، فهي أحداث حسية وقعت مرة واحدة ثم صارت خبرا، فإن أخبرك بها مخبر فيكون تصديقك بها على مقدار الثقة فيه. فمن رأى عصا موسى - عليه السلام - وهي تلقف الحبال التي ألقاها السحرة آمن بها، مثلما آمن من شاهد النار عاجزة عن إحراق إبراهيم عليه السلام، ومن رأى عيسى عليه السلام وهو يشفي الأكمه والأبرص ويحيي الموتى بإذن الله تعالى، فقد آمن بما رأى، أما من لم ير تلك المعجزات فإيمانه يتوقف على قدر توثيقه لمن أخبر، فإن كان المخبر بذلك هو الله سبحانه وفي القرآن الكريم فإيماننا بتلك المعجزات هو أمر حتمي لأننا آمنا بصدق المبلغ عن الله تعالى. ونحن نفهم أن الرسالات السابقة على رسالة محمد صلى الله عليه وسلم، كانت رسالات موقوتة زمانا ومكانا، لكن الإسلام جاء لينتظم الناس الموجه إليهم منذ أن أرسل الله رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم إلى أن تقوم الساعة. لذلك جاء القرآن آيات باقيات إلى أن تقوم الساعة، وهذا هو السبب في أن القرآن قد جاء معجزة عقلية دائمة يستطيع كل من يدعو إلى منهج رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقول: محمد رسول من عند الله تعالى، وتلك هي معجزته. وساعة يقول الحق سبحانه: ﴿ فانظر ﴾ فمثلها مثل قول الحق سبحانه وتعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم:
ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل
[الفيل: 1]. وحادثة الفيل قد حدثت في العام الذي ولد فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبطبيعة الحال فسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم لم ير حادثة الفيل، ولكن الذين رأوها هم الذين كانوا يعيشون وقتها، وهذا ما يلفتنا إلى فارق الأداء، فعيونك قد ترى أمرا، وأنذك قد تسمع خبرا، ولكن من الجائز أن تخدعك حواسك، أما الخبر القادم من الله تعالى، وإن كان غائبا عنك الآن وغير مسموع لك فخذه على أنه أقوى من رؤية العين. ولقائل أن يقول: لماذا لم يقل الحق: " ألم تعلم " وجاء بالقول: