يأيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون
[الجمعة: 9]. ولم يقل الله سبحانه: اتركوا الزراعة أو اتركوا الصناعة، أو اتركوا التدريس، بل اختار من كل حركات الحياة حركة البيع لأن فيه تجارة، والتجارة هي الجامعة لكل حركات الحياة. والتاجر وسيط بين منتج ومستهلك وتقتضي التجارة شراء وبيعا، والشراء يدفع فيه التاجر ثمنا، أما في البيع فهو يأخذ الثمن، والغاية من كل شيء أن يتمول الإنسان. لذلك فالبيع أفضل عند التاجر من الشراء، فأنت قد تشتري شيئا وأنت كاره له، لاحتياجك إليه، ولكنك عند بيع البضاعة تشعر بالسعادة والإشراق، ولأن الشراء فيه أخذ، والبيع فيه عطاء، والعطاء يرضي النفس دائما لأن ثمرة الصفقة تأتيك في لحظتها. وإن كنت مزارعا فأنت تعد الأرض، وتحرثها، وتبذر البذور، وترويها، وتشذب النبات، وتنتظر إلى أن ينضج الزرع، وكذلك تقضي الكثير من الوقت في إتقان الصنعة إن كنت صانعا، لكن البيع في التجارة يأتي لك بالكسب سريعا، فكأن ضرب المثل في التجارة، جاء من أصول التجارة بالبيع ولم يأت بالشراء.
إذن: لا بد أن نعتبر أن دخولك في صفقة الإيمان تجارة، تأخذ منها أكثر من رأسمالك، وتربح، أما إن تركت بعضا من الدين فأنت تخسر بمقدار ما تركت، بل وأضعاف ما تركت. وأنت في أية صفقة قد تعوض ما خسرت فيما بعد، وإن استمرت الخسارة فإن أثرها لا يتجاوز الدنيا، ويمكن أن تربح بعدها، وإذا لم تربح، فسيضيع عليك تعبك فقط ولأن الدنيا محدودة الزمن فخسارتها محتملة، أما الخسارة في الزمان غير الموقوت - الزمن الدائم - فهي خسارة كبيرة لأن الآخرة ليس فيها أغيار كالدنيا، وأنت في الآخرة: إما في جنة ذات نعيم مقيم، وفي هذا ربح وكسب كبير، وإما إلى نار، وهذه هي الخسارة الحقيقة. والخسران الحقيقي أن يكذب الإنسان، لا بنعيم الله فقط، ولكن بلقاء الله أيضا. يقول الحق سبحانه: ﴿ قد خسر الذين كذبوا بلقآء الله.. ﴾ [يونس: 45]. أي: أن الله سبحانه لم يكن في بالهم، وهو حين تقوم الساعة يجدون الله - سبحانه وتعالى - أمامهم. ولذلك يقول الحق سبحانه:
والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن مآء..
[النور: 39]. والسراب كما نعلم يراه السائر في الصحراء، وهو عبارة عن انعكاس للضوء فيظن أن أمامه ماء، ولكن إن سار إليه الإنسان لم يجده ماء، وهكذا شبه الحق سبحانه عمل الكافر بمن يسير في صحراء شاسعة، ويرى السراب فيظنه ماء، لكنه سراب، ما إن يصل إليه حتى ينطبق عليه قول الحق سبحانه:
حتى إذا جآءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده..
[النور: 39]. أي: أنه يفاجأ بوجود الله سبحانه وتعالى، فيوفيه الله حسابه. ولذلك فالذي يكفر بالله ويعمل ما يفيد البشر، فإنه يأخذ حسابه ممن عمل له، ولا يحسب له ذلك في الآخرة، وتجد الناس يكرمونه، ويقيمون له التماثيل أو يمنحونه الجوائز وينطبق عليه قول الرسول صلى الله عليه وسلم:
" فعلت ليقال، وقد قيل ".
وهنا يقول الحق سبحانه عن الذين كذبوا بلقاء الله تعالى: ﴿ وما كانوا مهتدين ﴾ [يونس: 45]. أي: لم يكونوا سائرين على المنهج الذي وضعه لهم خالقهم سبحانه هذا المنهج الذي يمثل قانون الصيانة لصنعة الله تعالى، وقد خلق الله سبحانه الإنسان لمهمة، والله سبحانه يصون الإنسان بالمنهج من أجل أن يؤدي هذه المهمة. والهداية هي الطريق الذي إن سار فيه الإنسان فهو يؤدي به إلى تحقيق المهمة المطلوبة منه لأن الحق سبحانه قد جعله الخليفة في الأرض. ومن لا يؤمن برب المنهج سبحانه وتعالى ولا يطبق المنهج فهو إلى الخسران المبين، أي: الخسران المحيط. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: ﴿ وإما نرينك بعض الذي نعدهم... ﴾.