فإنه نزله على قلبك بإذن الله مصدقا لما بين يديه..
[البقرة: 97]. أي: أنه الكتاب الذي يضم صدق كل حدث قادم لأن القرآن خرق حجب وحجز الماضي والمستقبل. ونحن نعلم أن الأشياء الغيبية تحدث بسببين الأول: أن يتكلم عن شيء سبق الزمان الذي نزل فيه، فهو يتكلم في الماضي الذي لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم من أهل الاطلاع والتعلم ليعرفه ويعلمه. وكذلك خرق القرآن الكريم حجب الحاضر الذي عاصر نزوله، هذا الحاضر الذي قد يكون محجوبا بالمكان. وأضرب هذا المثل - ولله المثل الأعلى - فقد يحدث حادث في الإسكندرية في نفس الوقت الذي تكون أنت فيه موجودا بالقاهرة، وأنت لا تعلم هذا الحدث لأنه محجوب عنك ببعد المكان، وحاجز المكان يتمثل - غالبا - في الأمور الحاضرة، أما أمور المستقبل فهي محجوبة عنا بالزمان والمكان معا. وحين يخبرنا القرآن الكريم بحدث ماض لم يشهده رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يتعلمه، ولم يقرأ عنه إذن: فالقرآن إنما يخرق أمامنا حجاب الزمن الماضي. وإذا أخبر القرآن بحدث حاضر في غير مكان نزوله على سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهذا خرق لحجاب المكان مثل قول الحق سبحانه:
ويقولون في أنفسهم لولا يعذبنا الله بما نقول..
[المجادلة: 8]. وحين سمع المنافقون والكفار هذا القول الكريم، لم ينكروا أنهم قالوا في أنفسهم ما جاء به القرآن، وهكذا خرق القرآن حاجز المكان في أنفسهم هم.
إذن: فأخبار الغيب في القرآن إما خرق لزمان ماض أو خرق لزمان الحال، وإما خرق لزمان ومكان الاستقبال. ونحن نعلم أن القرآن كان ينزل والمسلمون ضعاف، لا يستطيعون حماية أنفسهم، ولا أحد يجير على أحد، ويتجه النبي صلى الله عليه وسلم إلى الطائف ليعرض الإسلام على أهلها، لعله يلتمس لهم مجيرا من أهل الطائف ولكنه صلى الله عليه وسلم لا يجد إلا الإيذاء والإعراض، ويوصي بعضا من صحابته أن يهاجروا إلى الحبشة. وفي ظل كل هذه الأزمات، ينزل قول القرآن:
سيهزم الجمع ويولون الدبر..
[القمر: 45]. حتى إن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - يتساءل: أي جمع هذا الذي يهزم، ونحن غير قادرين على حماية أنفسنا؟ ثم تأتي غزوة بدر ويشهد عمر هزيمة وفرار مقاتلي قريش فيرى رأي العين صدق ما جاء به الوحي من قبل. وهكذا تأكد الجميع أن القرآن الكريم غير مفترى، فكيف يتهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه افتراه؟ وإذا كان هذا القرآن مفترى، فلماذا لا تفترون مثله؟ وفيكم الشعراء والبلغاء والخطباء؟! ولم يقل محمد صلى الله عليه وسلم أنه بليغ أو خطيب أو شاعر، ولم يطلب القرآن الكريم منهم أن يأتوا بواحد مثل محمد صلى الله عليه وسلم، لا صلة له بالبلاغة أو الفصاحة، بل يطلب منهم أن يأتوا بالفصحاء كلهم، ويدعوهم أن يقولوا مثل آية واحدة من القرآن. وإن قالوا: إن ما جاء به هو السحر، وإن محمدا ساحر قد سحر العبيد والضعاف، وأدخلهم في الإسلام، فلماذا لم يسحركم محمد؟ إن بقاءكم من غير سحر يدل على أن إطلاقكم كلمة السحر على ما جاء به دعوى كاذبة. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ وتفصيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين ﴾ [يونس: 37]. فالقرآن قد جاء فيه تفصيل كل الأحكام الصالحة إلى قيام الساعة، أما الكتب السابقة على القرآن فكانت تضم الأحكام المناسبة لزمانها، ولأمكنة نزولها. وهو كتاب ﴿ لا ريب فيه ﴾ أي: لا شك فيه، يكشف الكفار، ويفضح ارتيابهم وكذبهم، فهم قد اعترفوا بعظمة القرآن وقالوا:
لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم..
[الزخرف: 31]. إذن: فهم قد عرفوا أن القرآن لا عيب فيه، ولا ريب، حتى من الكافرين به. ويأتي الرد على قولهم بالافتراء، في قول الحق سبحانه: ﴿ أم يقولون افتراه قل فأتوا بسورة مثله... ﴾.