وينهي الحق سبحانه الآية الكريمة بقوله: ﴿ فما لكم كيف تحكمون.. ﴾ [يونس: 35]. أي: ماذا أصاب عقولكم لتحكموا هذا الحكم فتشركوا بالله ما لا منهج له، أو له منهج ولكنه موصول بالله تعالى جاء ليبلغه لهم؟ وساعة تسمع ﴿ كيف ﴾ فهي للاستفسار عن عملية عجيبة ما كان - في عرف العاقل - أن تحدث. كأن تقول: " كيف ضربت أباك؟ " أو " كيف سببت أمك؟ " ، وهذا كله من الأمور التي تأباها الفطرة ويأباه الطبع والدين. وقوله سبحانه: ﴿ فما لكم كيف تحكمون ﴾ كأنه أمر عجيب ما كان يصح أن يحدث لأن الحق سبحانه وحده هو الإله، والحق هو الشيء الثابت الذي لا يتغير غاية وطريقا. والله سبحانه وحده هو الذي حدد لنا الغاية والطريق الموصل إليها، وهو سبحانه القائل:
والله يدعوا إلى دار السلام..
[يونس: 25]. والمنهج هو الطريق الذي يوصل إلى دار السلام من آفة الأغيار لأن الدنيا كلها أغيار، فأنت قد تكون قويا ثم تضعف أو صحيحا فيصيبك المرض، أو غنيا فتفتقر، أو مبصرا فيضيع منك بصرك، أو تكون صحيح الأذن سمعيا فتصير أصم بعد ذلك. إذن: فهي دنيا أغيار، وهب أن إنسانا أخذ من دنياه كل نصيبه عافية وأمنا وسلامة وغنى وكل شيء سنجده في قلق من جهتين: الجهة الأولى أنه يخاف أن يفارقه كل هذا النعيم، أو يخاف أن يترك هو هذا النعيم، هذا ما نراه في حياتنا. إذن: فالدنيا بما فيها من أغيار لا أمان لها لنفهم أن كل عطاءات المخلوق إنما هي هبة من الخالق سبحانه وتعالى لأنها لو كانت من ذاتك لاستطعت الحفاظ عليها، ولكنها هبات من الحق الأعلى سبحانه. والأمر الموهوب قد يصبح مسلوبا. ثم يقول الحق سبحانه بعد ذلك: ﴿ وما يتبع أكثرهم إلا ظنا... ﴾.