تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ونحن نرى في البشر من يستخدم صاحب القوة الجسدية أو قدرة تصويب السلاح ليرهب غيره، وقد ينجح في ذلك مرة أو أكثر، ثم ينقلب هذا الفتوة أو ذلك القاتل المأجور على من استأجره. إذن: فلا بد أن يحترم كل إنسان قدر الله - سبحانه وتعالى - في نفسه، وألا يأخذ فرصة من جنس آخر يظن أنها تزيده في دنياه شيئا، لكنها في الواقع ستزيده تعبا وتزيده رهقا. ولذلك نجد الحق - سبحانه وتعالى - يقول عنهم:

ربنا استمتع بعضنا ببعض وبلغنآ أجلنا الذي أجلت لنا قال النار مثواكم..

[الأنعام: 128]. وهكذا نرى أن مصير الاستمتاع بقوة الجن هو النار للإنس الذي استخدم الجن، وللجن الذي أغوى الإنس. ثم يعرض لنا الحق - سبحانه وتعالى - قضية أخرى في هذه المسألة فيقول سبحانه:

الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين

[الزخرف: 67]. والأخلاء: هم الجماعة التي يجمع أفرادها صحبة ومودة، ويتخلل كل منهم حياة الآخر. وأنت تجد الناس صنفين: أناسا اتخذوا الخلة في الله تعالى، فيذهبون إلى المساجد، ويستذكرون العلم، ولا يأكلون إلا من حلال، ويقرأون القرآن، وإن هم واحد منهم بمعصية وجد من صديقه ما يرده عن المعصية، ويحجون إلى بيت الله الحرام، ويعتمرون، وتدور حياتهم في إطار حديث المصطفى صلى الله عليه وسلم:

" رجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه "

وهذا لون من الخلة. واللون الآخر يضم أناسا يساعد بعضهم البعض على المعصية، ويشربون الخمر، ويلعبون الميسر، ويفعلون كل المعاصي، فإذا جاء يوم القيامة يقابلون حكم الله تعالى:

لا بيع فيه ولا خلة..

[البقرة: 254]. فلا خلة إلا خلة اللقاء في الله تعالى، فإذا التقى الأخلاء في الله تعالى فرحوا ببعضهم لأن كلا منهم حمى أخاه من معصية، أما من كانوا يجتمعون في الدنيا على المعصية، فكل منهم يلعن الآخر، ويصدق حكم الله سبحانه وتعالى:

الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين

[الزخرف: 67]. ولذلك نجد الحوار بين الذين استضعفوا والذين استكبروا، ونجد الحق سبحانه وتعالى يأتي لنا بهذا الحوار في القرآن:

فقال الضعفاء للذين استكبروا إنا كنا لكم تبعا فهل أنتم مغنون عنا من عذاب الله من شيء..

[إبراهيم: 21]. فيرد الآخرون:

لو هدانا الله لهديناكم سوآء علينآ أجزعنآ أم صبرنا ما لنا من محيص..

[إبراهيم: 21]. وبعد ذلك يأتي اعتراف الشيطان الذي يقول عنه الحق سبحانه:

وقال الشيطان لما قضي الأمر إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم مآ أنا بمصرخكم ومآ أنتم بمصرخي..

[إبراهيم: 22]. وهذا الحوار هو الذي يكشف لنا ما سوف يحدث يوم القيامة، ونجد الحق سبحانه يقول:

كمثل الشيطان إذ قال للإنسان اكفر فلما كفر قال إني بريء منك إني أخاف الله..

[الحشر: 16]. هذه كلها لقطات من مشاهد يوم القيامة، جاءت في خواطرنا ونحن نتناول قول الحق سبحانه: ﴿ فكفى بالله شهيدا بيننا وبينكم إن كنا عن عبادتكم لغافلين ﴾ [يونس: 29]. هكذا يعلن كل من عبد من الملائكة أو الرسل أو الأصنام، وبذلك تتم فضيحة الذين عبدوهم من دون الله سبحانه ويأخذون طريقهم إلى النار. ولذلك نجد الحق سبحانه يقول:

احشروا الذين ظلموا وأزواجهم وما كانوا يعبدون

[الصافات: 22]. ولننتبه هنا إلى أن الأزواج متقدمون في الإغواء والتوجيه إلى الشر، قبل الأعداء لأن الزوج أو الزوجة قد يكون هو الشيطان الملازم الذي يهيىء الانحراف إلى ما يريد. ونجد الحق سبحانه يقول بعد ذلك:

وقفوهم إنهم مسئولون..

[الصافات: 24]. ومثلها مثل قوله سبحانه: ﴿ مكانكم ﴾ نفهم من ذلك أنهم كانوا معا في الدنيا وهي دار الاختبار، وهم الآن في دار جبرية الاقتدار لذلك يقول الحق سبحانه:

وقفوهم إنهم مسئولون * ما لكم لا تناصرون * بل هم اليوم مستسلمون * وأقبل بعضهم على بعض يتسآءلون * قالوا إنكم كنتم تأتوننا عن اليمين

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٢٤٣٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٢٤٣٦