تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إن الله لا يهدي...

[غافر: 28] إلخ يعني: أنه نبي على الهدى، ولو لم يكن كذلك ما آتاه الله النبوة وعضده. وفيه من خداع الخصم واستدراجه ما لا يخفى. انتهى.

قوله تعالى: ﴿ حتى إذا جآءتهم الساعة بغتة ﴾ أي: جاءتهم القيامة فجأة، وسميت القيامة (ساعة)، لأنها تفجأ الناس بغتة في ساعة لا يعلمها أحد إلا هو تعالى. والمعنى: جاءتهم منيتهم. على أن المراد بالساعة: الصغرى. قال الراغب: الساعة الكبرى: بعث الناس للمحاسبة، والصغرى: موت الإنسان. فساعة كل إنسان موته، وهي المشار إليها بقوله تعالى: ﴿ قد خسر الذين كذبوا بلقآء الله حتى إذا جآءتهم الساعة بغتة ﴾. ومعلوم أن الحشر ينال الإنسان عند موته. انتهى.

(وبغتة) مصدر في موضع الحال، لأي: مباغته، أو مصدر لمحذوف، أي: تبغتهم. أو للمذكور. فإن (جاءتهم)، بمعنى (بغتتهم).

﴿ قالوا ﴾ يعني: منكري البعث، وهم كفار قريش، ومن سلك سبيلهم في الكفر والاعتقاد. ﴿ يحسرتنا ﴾ أي: يا ندامتنا! والحسرة: التلهف على الشيء الفائت. وذكرت على وجه النداء للمبالغة. والمراد: تنبيه المخاطبين على ما وقع بهم من الحسرة. ﴿ على ما فرطنا ﴾ أي: قصرنا ﴿ فيها ﴾ أي: في الحياة الدنيا. أضمرت وإن لم يجر ذكرها، للعلم بها. أي: على ما ضيعنا فيها، إذ لم نكتسب من الاعتقادات والأخلاق والأعمال ما ينجينا، أو الضمير للساعة، أي: على ما فرطنا في شأنها، ومراعاة حقها، والاستعداد لها، بالإيمان بها، واكتساب الأعمال الصالحة.

وقال ابن جرير: الضمير يعود إلى الصفقة التي دل عليها قوله: ﴿ قد خسر... ﴾ إلخ إذ الخسران لا يكون إلا في صفقة بيع قد جرت. قال: والمعنى: قد وكس الذين كذبوا بلقاء الله، ببيعهم الإيمان الذي يستوجبون به من الله رضوانه وجنته، بالكفر الذي يستوجبون به من سخطه وعقوبته. ولا يشعرون ما عليهم من الخسران في ذلك، حتى تقوم الساعة.

فإذا جاءتهم الساعة بغتة، فرأوا ما لحقهم من الخسران في ببيعهم، قالوا حينئذ تندما: ﴿ يحسرتنا على ما فرطنا ﴾.

وقوله تعالى: ﴿ وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم ﴾ حال من فاعل (قالوا)، فائدته الإيذان بأن عذابهم ليس مقصورا على ما ذكر من الحسرة على ما فات وزال، بل يقاسون، مع ذلك، تحمل الأوزار الثقال. والإيماء إلى أن تلك الحسرة من الشدة، بحيث لا تزول ولا تنسى بما يكابدونه من فنون العقوبات - قاله أبو السعود -.

والأوزار: جمع وزر، وهو في الأصل: الحمل الثقيل، سمي به الذنب لثقله على صاحبه. قيل: جعلها محمولة على الظهور استعارة تمثيلية، مثل لزومها لهم، على وجه لا يفارقهم، بذلك. وخص الظهر؛ لأنه المعهود حمل الأثقال عليه. كما عهد الكسب بالأيدي.

وقيل: هو حقيقة، لما روي عن السدي أنه قال: ليس من رجل ظالم يموت فيدخل قبره، إلا جاءه رجل قبيح الوجه، أسود اللون، منتن الريح، عليه ثياب دنسة، حتى يدخل معه قبره. فإذا رآه قال له: ما أقبح وجهك! قال: كذلك كان عملك قبيحا. قال: ما أنتن ريحك! قال: كذلك كان عملك منتنا. قال: ما أدنس ثيابك! قال فيقول: إن عملك كان دنسا. قال: من أنت؟ قال: أنا عملك. قال: فيكون معه في قبره. فإذا بعث يوم القيامة قال له: إني كنت أحملك في الدنيا باللذات والشهوات، وأنت اليوم تحملني. قال: فيركب على ظهره فيسوقه، حتى يدخله النار. فذلك قوله تعالى: ﴿ وهم يحملون... ﴾ الآية.

قال الخفاجي: ولعل هذا تمثيل أيضا. وقريب منه ما قيل: من قال بالميزان، واعتقد وزن الأعمال، لا يقول إنه تمثيل. انتهى.

﴿ ألا سآء ما يزرون ﴾ أي: بئس ما يحملونه.

محاسن التأويل · الصفحة ٩٨٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاسن التأويلص ٩٨٦