تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وهذا كتب أنزلنه مبارك فاتبعوه...

[الأنعام: 155] الآية علل الإنزال بقوله:

أن تقولوا إنمآ أنزل الكتاب

[الأنعام: 156] إلخ إزالة للعذر وإلزاما للحجة.

وعقبه بقوله:

فقد جآءكم بينة

[الأنعام: 157] إلخ تبكيتا لهم وتقريرا لما سبق من طلب الاتباع. ثم قال:

فمن أظلم ممن كذب...

[الأنعام: 157] الآية أي أنه أنزل هذا الكتاب المنير كاشفا لكل ريب وهاديا إلى الطريق المستقيم ورحمة من الله للخلق، ليجعلوه زادا لمعادهم فيما يقدمونه من الإيمان والعمل الصالح. فجعلوا شكر النعمة: أن كذبوا بها ومنعوا من الانتفاع بها. ثم قال: ﴿ هل ينظرون... ﴾ الآية. أي ما ينتظر هؤلاء المكذبون إلا أن يأتيهم عذاب الدنيا بنزول الملائكة بالعقاب الذي يستأصل شأفتهم. كما جرى لمن مضى من الأمم قبلهم. أو يأتيهم عذاب الآخرة بوجود بعض قوارعها. فحينئذ تفوت تلك الفرصة السابقة فلا ينفعهم شيء مما كان ينفعهم من قبل، من الإيمان. وكذا العمل الصالح مع الإيمان. فكأنه قيل: يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها ولا كسبها العمل الصالح في إيمانها حينئذ، إذا لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا من قبل. ففي الآية لف. لكن حذفت إحدى القرينتين بإعانة البشر، ونظيره قوله تعالى:

ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر فسيحشرهم إليه جميعا

[النساء: 172].

قال: فهذا الذي عناه ابن المنير بقوله: إن هذا الكلام في البلاغة يقال له: (اللف) والمعنى: يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا، لم تكن مؤمنة من قبل ذلك، إيمانها من بعد ذلك، ولا ينفع نفسا كانت مؤمنة، لكن لم تعمل في إيمانها عملا صالحا قبل ذلك، ما تعمله من العمل الصالح بعد ذلك. قال: وبهذا التقرير يظهر مذهب أهل السنة. فلا ينفع بعد ظهور الآية اكتساب الخير، أي: لإغلاق باب التوبة ورفع الصحف والحفظة. وإن كان ما سبق قبل ظهور الآية من الإيمان ينفع صاحبه في الجملة.

ثم قال الطيبي: وقد ظفرت، بفضل الله بعد هذا التقرير، على آية أخرى تشبه هذه الآية وتناسب هذا التقرير معنى ولفظا. من غير إفراط ولا تفريط. وهي: قوله تعالى:

ولقد جئناهم بكتاب فصلناه على علم هدى ورحمة لقوم يؤمنون * هل ينظرون إلا تأويله يوم يأتي تأويله يقول الذين نسوه من قبل قد جآءت رسل ربنا بالحق فهل لنا من شفعآء فيشفعوا لنآ أو نرد فنعمل غير الذي كنا نعمل قد خسروا أنفسهم

[الأعراف: 52-53] الآية. فإنه يظهر منه أن الإيمان المجرد قبل كشف قوارع الساعة نافع. وأن الإيمان المقارن بالعمل الصالح أنفع. وأما بعد حصولها فلا ينفع شيء أصلا. والله أعلم. انتهى ملخصا.

الثالثة: قال في (الوجيز) في قوله تعالى: ﴿ أو يأتي ربك ﴾: أي: لفصل القضاء بين خلقه. وإتيانه نؤمن به ولا نعرف كيفه. انتهى.

وفي حواشي (جامع البيان): كيف لا يؤمن بإتيانه ومجيئه تعالى يوم القيامة، وقد جاء في القرآن في عدة مواضع:

هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام

[البقرة: 210]

وجآء ربك والملك صفا صفا

[الفجر: 22].

إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي أمر ربك

[النحل: 33]. وأي أمر أصرح منه في القرآن؟.

وروى الطبري في (تفسيره) عن ابن عباس مرفوعا: إن في الغمام طاقات يأتي الله فيها، محفوفا. وذلك قوله:

هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة وقضي الأمر

[البقرة: 210].

قال عكرمة: والملائكة حوله، فهذا من صفات الله تعالى. يجب علينا الإيمان بظاهرها ونؤمن بها كما جاءت وإن لم نعرف كيفيتها. وعدم علمنا بكيفيتها، بمنزلة عدم علمنا بكيفية ذاته. فلا نكذب بما علمناه لعدم علمنا بما لم نعلمه. وهذا هو مذهب سلف هذه الأمة وأعلام أهل السنة. انتهى.

وقوله تعالى: ﴿ قل انتظروا ﴾ أي: قل لهؤلاء الكافرين، بعد بيان حقيقة الحال على وجه التهديد: انتظروا ما تنتظرونه من إتيان أحد الأمور الثلاثة لتروا أي شيء تنتظرون. ﴿ إنا منتظرون ﴾ أي لذلك، لنشاهد ما يحل بكم من سوء العاقبة.

محاسن التأويل · الصفحة ١١٢٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاسن التأويلص ١١٢٣