وإنك لتلقى القرآن من لدن حكيم عليم
[النمل: 6]، وقال:
تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم
[غافر: 2] وقال:
حم * تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم
[الجاثية: 1-2]، وقال في (حم فصلت، بعد ذكر تخليق العالم):
ذلك تقدير العزيز العليم
[فصلت 12]، وذكر نظير هذا في (الأنعام) فقال:
فالق الإصباح وجعل الليل سكنا والشمس والقمر حسبانا ذلك تقدير العزيز العليم
[الأنعام: 96]. فارتباط الخلق بقدرته التامة يقتضي ألا يخرج موجود عن قدرته. وارتباطه بعلمه التام يقتضي إحاطته به وتقدمه عليه. وارتباطه بحكمته يقتضي وقوعه على أكمل الوجوه وأحسنها، واشتماله على الغاية المحمودة المطلوبة للرب سبحانه. وكذلك أمره بعلمه وحكمته وعزته، فهو عليم بخلقه وأمره، حكيم في خلقه وأمره. ولهذا، كان (الحكيم) من أسمائه الحسنى. فالحكمة من صفاته العلى، والشريعة الصادرة عن أمره مبناها على الحكمة، والرسول المبعوث بها مبعوث بالكتاب والحكمة. والحكمة: هي سنة الرسول، وهي تتضمن العلم بالحق والعمل به والخبر عنه والأمر به. فكل هذا يسمى حكمة. وفي الأثر: الحكمة ضالة المؤمن. وفي الحديث:
" إن من الشعر حكمة "
فكما لا يخرج مقدور عن علمه وقدرته ومشيئته، فهكذا لا يخرج عن حكمته وحمده. وهو محمود على جميع ما في الكون من خير وشر حمدا استحقه لذاته، وصدر عنه خلقه وأمره. فمصدر ذلك كله عن الحكمة. فإنكار الحكمة إنكار لحمده في الحقيقة، والله أعلم. انتهى.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، في خلال بعض فتاويه، في حقيقة الاحتجاج بالقضاء والقدر، ما نصه:
وإن هؤلاء القدرية الجبرية الجهمية أهل الفناء في توحيد الربوبية.
حقيقة قولهم من جنس قول المشركين الذين قالوا:
لو شآء الله مآ أشركنا...
[الأنعام: 148] الآية؛ فإن هؤلاء المشركين لما أنكروا ما بعثت به الرسل من الأمر والنهي، وأنكروا التوحيد - الذي هو عبادة الله وحده لا شريك له - وهم يقرون بتوحيد الربوبية وأن الله خالق كل شيء، ما بقي عندهم من فرق، من جهة الله تعالى، بين مأمور ومحظور فقالوا:
لو شآء الله مآ أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء
[الأنعام: 148] وهذا حق. فإن الله لو شاء ألا يكون هذا لم يكن. ولكن أي فائدة لهم في هذا؟ غايته أن هذا الشرك والتحريم بقدر، ولا يلزم إذا كان مقدرا أن يكون محبوبا مرضيا لله. ولا علم عندهم بأن الله أمر به ولا أحبه ولا رضيه، بل ليسوا في ذلك إلا على ظن وخرص. انتهى.
وقال بعض المحققين في حقيقة العقيدة:
ثبت بالبرهان أن قدرة الله تعالى متصرفة في الممكنات عن إرادة واختيار. وأن الإرادة لا تخرج عما ينكشف بالعلم من مواقع الحكمة، ووجوه النظام. وأنه خالق كل شيء وإليه يرجع الأمر كله. ومن الممكنات التي اقتضتها الحكمة والنظام وجود مخلوق ذي قدرة وإرادة وعلم، يعمل بقدرته ما تنبعث إليه إرادته بمقتضى علمه بوجوه المصلحة والمنفعة لنفسه، وهو الإنسان. وهذا - عند البعض - هو معنى كونه خليفة الله في الأرض يعمرها ويظهر حكمة الله وبدائع أسراره فيها، ويقيم سننه الحكيمة حتى يعرف كماله بمعرفة كمال صنعه. ولا يزال الإنسان يظهر الآيات من هذه المكونات آنا بعد آن، ولا يعلم مبلغه من ذلك إلا الله تعالى. والمشهور أن الخلافة خاصة بأفراد من الإنسان وهم الأنبياء عليهم السلام. ولا يستلزم واحد من القولين أن الله تعالى استخلفهم لحاجة به إلى ذلك. حاشاه.
قال البيضاوي (في بيان أن كل نبي خليفة): استخلفهم في عمارة الأرض، وسياسة الناس، وتكميل نفوسهم، وتنفيذ أمره فيهم - لا لحاجة به تعالى إلى من ينوبه - بل لقصور المستخلف عليه من قبول فيضه وتلقي أمره بغير وسط. ولذلك لم يستنبئ ملكا كما قال:
ولو جعلنه ملكا لجعلنه رجلا
[الأنعام: 9] انتهى.