تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وذكرنا ضعف التعلق بهذه الآية على ما ذهبوا إليه.

قال في (فتح البيان): معنى الآية: أنه تعالى أمره صلى الله عليه وسلم بأن يخبرهم أنه لا يجد في شيء مما أوحي إليه محرما غير هذه المذكورات. فدل على انحصار المحرمات فيها، لولا أنها مكية. وقد نزل بعدها بالمدينة سورة المائدة وزيد فيها على هذه المحرمات: المنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة. وصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم تحريم كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير وتحريم الحمر الأهلية والكلاب، ونحو ذلك.

وبالجملة، فهذا العموم إن كان بالنسبة إلى ما يؤكل من الحيوانات، كما يدل عليه السياق ويفيده الاستثناء، فيضم إليه كل ما ورد بعده في الكتاب أو السنة مما يدل على تحريم شيء من الحيوانات. وإن كان هذا العموم هو بالنسبة إلى كل شيء حرمه الله من حيوان وغيره، فإنه يضم إليه كل ما ورد بعده مما فيه تحريم شيء من الأشياء. وقد روي عن ابن عباس وابن عمر وعائشة: أنه لا حرام إلا ما ذكره الله في هذه الآية. وروي ذلك عن مالك. وهو قول ساقط ومذهب في غاية الضعف لاستلزامه لإهمال غيرها, مما نزل بعدها من القرآن, وإهمال ما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال بعد نزول هذه الآية.

بلا سبب يقتضي ذلك ولا موجب يوجبه. وقول جابر (لكن أبى ذلك البحر ابن عباس) في رواية البخاري المتقدمة, أقول: وإن أبى ذلك البحر, فقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. والتمسك بقول صحابي في مقابلة قول النبي صلى الله عليه وسلم من سوء الاختيار وعدم الإنصاف. انتهى كلام الفتح.

وفي (نيل الأوطار): الاستدلال بهذه الآية إنما يتم في الأشياء التي لم يرد النص بتحريمها. وأما الحمر الأنسية فقد تواترت النصوص على ذلك. والتنصيص على التحريم مقدم على عموم التحليل وعلى القياس. وأيضا الآية مكية. انتهى.

وقد ثبت عن ابن عمر رجوعه عن التعلق بعمومها.

روى سعيد بن منصور والإمام أحمد وأبو داود عن نميلة الفزاري قال:

" كنت عند ابن عمر, وإنه سئل عن أكل القنفذ فقرأ عليه: ﴿ قل لا أجد... ﴾ الآية. فقال شيخ عنده: سمعت أبا هريرة يقول: ذكر عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال: " خبيث من الخبائث " فقال ابن عمر: إن كان النبي صلى الله عليه وسلم قاله فهو كما قال "

أي: والخبائث محرمة بنص القرآن, فهو مخصص لعموم هذه الآية.

وعن المقدام بن معدي كرب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

" ألا هل عسى رجل يبلغه الحديث عني وهو متكئ على أريكته فيقول: بيننا وبينك كتاب الله. فما وجدنا فيه حلالا استحللناه. وما وجدنا فيه حراما حرمناه. وإن ما حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم كما حرم الله تعالى "

أخرجه الترمذي وقال: حديث حسن غريب.

ولأبي داود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

" ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه. لا يوشك رجل شبعان على أريكته يقول: عليكم بهذا القرآن, فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه. وما وجدتم فيه من حرام فحرموه. ألا لا يحل لكم (لحم) الحمار الأهلي ولا كل ذي ناب من السبع ولا لقطة معاهد ألا أن يستغني عنها صاحبها. ومن نزل بقوم فعليهم أن يقروه. فإن لم يقروه فله أن يعقبهم بمثل قراه "

(أي يأخذ منهم عوضا عما حرموه من القرى).

هذا والزمخشري فسر محرما ب (طعاما محرما من المطاعم التي حرمتموها) وجعل الاستثناء منقطعا. أي: لا أجد ما حرمتموه لكن أجد الأربعة محرمة. وهذا لا دلالة فيه على الحصر حتى ترد المحرمات الأخر. إذ الاستثناء المنقطع ليس كالمتصل في الحصر. وغير الزمخشري لم يقيده بما ذكر. لأن الأصل الاتصال وعدم التقييد. وأولوها بما قدمنا قبل. وحينئذ يكون الاستثناء من أعم الأوقات أو أعم الأحوال مفرغا. بمعنى: لا أجد شيئا من المطاعم المحرمات في وقت من الأوقات، أو حال من الأحوال, إلا في وقت أو حال كون الطعام أحد الأربعة.

محاسن التأويل · الصفحة ١١٠١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاسن التأويلص ١١٠١