تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأما الزمخشري فظن أنها تثبت بالرأي، غير موقوفة على النقل، وهذا لم يقل به أحد من المسلمين. وما حمله على هذا الخيال إلا التغالي في اعتقاد اطراد الأقيسة النحوية، فظنها قطعية، حتى يرد ما خالفها. ثم إذا تنزل معه على اطراد القياس الذي ادعاه مطردا، فقراءة ابن عامر هذه لا تخالفه. وذلك أن الفصل بين المضاف والمضاف إليه، وإن كان عسرا، إلا أن المصدر إذا أضيف إلى معموله، فهو مقدر بالفعل، وبهذا التقدير عمل. وهو وإن لم تكن إضافته غير محضة، إلا أنه شبه بما إضافته غير محضة. حتى قال بعض النحاة: إن إضافته ليست محضة، لذلك. فالحاصل أن اتصاله بالمضاف إليه ليس كاتصال غيره، وقد جاء الفصل بين المضاف غير المصدر، وبين المضاف إليه بالظرف، فلا أقل من أن يتميز المصدر على غيره، لما بيناه من انفكاكه في التقدير، وعدم توغله في الاتصال، بأن يفصل بينه وبين المضاف إليه, بما ليس أجنبيا عنه, وكأنه بالتقدير: فكه بالفعل, ثم قدم المفعول على الفاعل, وأضافه إلى الفاعل, وبقي المفعول مكانه حين الفك. ويسهل ذلك أيضا تغاير حال المصدر, إذ تارة يضاف إلى الفاعل, وتارة يضاف إلى المفعول. وقد التزم بعضهم اختصاص الجواز بالفصل بالمفعول بينه وبين الفاعل, لوقوعه في غير مرتبته, إذ ينوي به التأخير, فكأنه لم يفصل. كما جاز تقدم المضمر على الظاهر إذا حل في غير رتبته, لأن النية به التأخير, وأنشد أبو عبيدة:

فداسهم دوس الحصاد الدائس

وأنشد أيضا:

يفركن حب السنبل الكنافج

بالقاع فرك القطن المحالج

ففصل كما ترى بين المصدر وبين الفاعل بالمفعول. ومما يقوي عدم توغله في الإضافة جواز العطف على موضع مخفوضه رفعا ونصبا. فهذه كلها نكت مؤيدة بقواعد, منظرة بشواهد من أقيسة العربية, تجمع شمل القوانين النحوية, لهذه القراءة. وليس غرضنا تصحيح القراءة بقواعد العربية, بل تصحيح قواعد العربية بالقراءة. وهذا قدر كاف إن شاء الله في الجمع بينهما - والله الموفق - وما أجريناه في أدراج الكلام من تقريب إضافة المصدر من غير المحضة, إنما أردنا انضمامه إلى غيره من الوجوه التي يدل باجتماعها على أن الفصل غير منكر في إضافته ولا مستبعد من القياس, ولم نفرده في الدلالة المذكورة. إذا المتفق على عدم تمحضها لا يسوغ فيها الفصل, فلا يمكن استقلال الوجه المذكور بالدلالة - والله الموفق - انتهى كلام الناصر رحمه الله تعالى.

ثم بين تعالى نوعا آخر من مفترياتهم بقوله:

﴿ وقالوا هذه أنعم وحرث حجر لا يطعمهآ إلا من نشآء بزعمهم... ﴾.

محاسن التأويل · الصفحة ١٠٩٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاسن التأويلص ١٠٩٢