تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأجاب من حمل الآية على الوجه الأول؛ بأن الأمر في حديث عدي وأبي ثعلبة محمول على التنزيه، من أجل أنهما كانا يصيدان على مذهب الجاهلية، فعلمهما النبي صلى الله عليه وسلم أمر الصيد والذبح، فرضه ومندوبه، لئلا يوافقا شبهة في ذلك، وليأخذا بأكمل الأمور. وأما الذين سألوا عن تلك الذبائح، فإنهم سألوا عن أمر قد وقع لغيرهم، فعرضهم بأصل الحل فيه.

وقال ابن التين: يحتمل أن يراد التسمية هنا عند الأكل، وبذلك جزم النووي.

وأما التسمية على ذبح تولاه غيرهم، فلا تكلف عليهم فيه، وإنما يحمل على غير الصحة إذا تبين خلافها.

وقال المهلب: هذا الحديث أصل في أن التسمية ليست فرضا، فلما نابت تسميتهم عن التسمية على الذبح، دل على أنها سنة؛ لأن السنة لا تنوب عن فرض. انتهى.

وذهب بعض من اشترط التسمية في الحل إلى جواز أكل ما تركت عليه سهوا لا عمدا.

واحتج بما رواه البيهقي عن ابن عباس مرفوعا:

" المسلم يكفيه اسمه، إن نسي أن يسمي حين يذبح، فليذكر اسم الله وليأكله "

قال الحافظ ابن كثير: ورفعه خطأ. والصواب وقفه على ابن عباس، من قوله. نص عليه البيهقي. واحتج أيضا بالحديث المروي من طرق عند ابن ماجه عن ابن عباس وأبي هريرة وأبي ذر وعقبة بن عامر وعبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم:

" إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه ".

ورواه الطبراني عن ثوبان مرفوعا بلفظ:

" رفع عن أمتي الخطأ... "

الحديث.

وروى ابن عدي عن أبي هريرة قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، أرأيت الرجل منا يذبح وينسى أن يسمي! فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " اسم الله على كل مسلم ". قال ابن كثير: وإسناده ضعيف.

وقد علمت الأظهر في تأويل الآية أولا - والله أعلم -.

الرابع: قال ابن جرير: اختلف أهل العلم في هذه الآية: هل نسخ من حكمها شيء أم لا؟ فقال بعضهم: لم ينسخ منها شيء، وهي محكمة فيما عنيت به. وعلى هذا قول مجاهد وعامة أهل العلم.

وروي عن الحسن البصري وعكرمة أنه تعالى نسخ من هذه الآية واستثنى قوله:

" وطعام الذين أوتوا الكتب حل لكم "

[المائدة: 5]. وروى ابن أبي حاتم عن مكحول أيضا أنه تعالى نسخها بذلك وأحل طعام أهل الكتاب.

قال ابن جرير: والصواب أنه لا تعارض بين حل طعام أهل الكتاب، وبين تحريم ما لم يذكر اسم الله عليه.

قال ابن كثير: وهذا الذي قاله صحيح. ومن أطلق من السلف النسخ ههنا، فإنما أراد التخصيص. انتهى.

وقد قدمنا في المقدمة أنه علم من استقراء كلام الصحابة والتابعين أنهم كانوا يستعملون النسخ بإزاء المعنى اللغوي، الذي هو إزالة شيء بشيء، لا بإزاء مصطلح الأصوليين. فمعنى النسخ عندهم: إزالة بعض الأوصاف من الآية بآية أخرى. إما بانتهاء مدة العمل، أو بصرف الكلام عن المعنى المتبادر إلى غيره، أو بيان كون قيد من القيود اتفاقيا، أو تخصيص عام، وغير ذلك مما أسلفنا، فتذكر.

الخامس: قال الزجاج: في قوله تعالى: ﴿ وإن أطعتموهم إنكم لمشركون ﴾ دليل على أن كل من أحل شيئا مما حرم الله تعالى، أو حرم شيئا مما أحل الله تعالى، فهو مشرك. وإنما سمي مشركا لأنه أثبت حاكما سوى الله تعالى. وهذا هو الشرك. انتهى.

وقال ابن كثير: ﴿ إنكم لمشركون ﴾ أي: حيث عدلتم عن أمر الله لكم وشرعه إلى قول غيره، فقدمتم عليه غيره، فهذا هو الشرك. كقوله تعالى:

اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله...

[التوبة: 31] الآية. وقد روى الترمذي في تفسيرها عن عدي بن حاتم أنه قال:

" يا رسول الله، ما عبدوهم. قال: " إنهم أحلوا لهم الحرام، وحرموا عليهم الحلال فاتبعوهم. فذاك عبادتهم إياهم "

انتهى.

السادس: قال الكعبي: الآية حجة على أن (الإيمان) اسم لجميع الطاعات، وإن كان معناه في اللغة: التصديق، كما جعل تعالى (الشرك) اسما لكل ما كان مخالفا لله تعالى، وإن كان في اللغة مختصا بمن يعتقد أن لله شريكا، بدليل أنه تعالى سمى طاعة المؤمنين للمشركين، في إباحة الميتة، شركا.

محاسن التأويل · الصفحة ١٠٧٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاسن التأويلص ١٠٧٨