﴿ ذلكم الله ﴾ أي: الفالق: للحب والنوى، والمخرج الحي من الميت وعكسه، هو الله، القادر العظيم الشأن، المستحق للعبادة وحده.
﴿ فأنى تؤفكون ﴾ أي: تصرفون عنه إلى غيره.
قال الرازي: والمقصود منه: أن الحي والميت متضادان متنافيان، فحصول المثل عن المثل، يوهم أن يكون بسبب الطبيعة والخاصية. أما حصول الضد من الضد فيمتنع أن يكون بسبب الطبيعة والخاصية. بل لا بد وأن يكون بتقدير المقدر الحكيم، والمدبر العليم.
تنبيه
ذهب الزمخشري ومن تبعه إلى أن قوله تعالى: ﴿ ومخرج الميت ﴾ عطف على ﴿ فالق ﴾ لا على ﴿ يخرج الحي ﴾؛ لأنه بيان الفالق الحب والنوى، وهذا لا يصلح للبيان. وإن صح عطف الاسم المشتق على الفعل وعكسه، كقوله:
صفت ويقبضن
[الملك: 19]. والصحيح أنه معطوف على ﴿ يخرج الحي من الميت ﴾ واشتماله على زيادة فيه، لا يضر ذلك بكونه بيانا. كما أن ﴿ ومخرج الميت من الحي ﴾ بيان مع شموله للحيوان والنبات. وفيه من البديع التبديل، كقوله تعالى:
يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل
[الحج: 61، وفاطر: 13، والحديد: 6].
قال في (الانتصاف): وقد وردا جميعا بصيغة الفعل كثيرا في قوله:
يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ويحي الأرض بعد موتها وكذلك تخرجون
[الروم: 19]، وقوله:
أمن يملك السمع والأبصار ومن يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي
[يونس: 31] فعطف أحد القسمين على الآخر، كثيرا دليل على أنهما توأمان مقترنان، وذلك يبعد قطعه عنه في آية الأنعام هذه ورده إلى ﴿ فالق الحب والنوى ﴾. فالوجه - والله أعلم - أن يقال: كان الأصل وروده بصيغة اسم الفاعل أسوة أمثاله من الصفات المذكورة في هذه الآية من قوله: ﴿ فالق الحب ﴾ و
فالق الإصباح
[الأنعام: 96] و
وجعل الليل
[الأنعام: 96] و ﴿ ومخرج الميت من الحي ﴾ إلا أنه عدل عن اسم الفاعل إلى الفعل المضارع في هذا الوصف وحده، وهو قوله: ﴿ يخرج الحي من الميت ﴾ إرادة لتصوير إخراج الحي من الميت، واستحضاره في ذهن السامع. وهذا التصوير والاستحضار إنما يتمكن في أدائهما الفعل المضارع دون اسم الفاعل والماضي. وقد مضى تمثيل ذلك بقوله تعالى:
ألم تر أن الله أنزل من السمآء مآء فتصبح الأرض مخضرة
[الحج: 63] فعدل عن الماضي المطابق لقوله:
أنزل
[الحج: 63] لهذا المعنى، ومنه ما في قوله:
بأني قد لقيت الغول تهوي
بسهب كالصحيفة صحصحان
فأضربها بلا دهش فخرت
صريعا لليدين وللجران
فعدل إلى المضارع إرادة لتصوير شجاعته، واستحضارها لذهن السامع. ومنه:
إنا سخرنا الجبال معه يسبحن بالعشي والإشراق * والطير محشورة
[ص: 18-19] فعدل عن (مسبحات) وإن كان مطابقا (محشورة) لهذا السبب - والله أعلم -. ثم هذا المقصد إنما يجيء فيما يكون العناية به أقوى. ولا شك أن إخراج الحي من الميت أشهر في القدرة من عكسه. وهو أيضا أول الحالين، والنظر أول ما يبدأ فيه. ثم القسم الآخر وهو إخراج الميت من الحي بان عنه، فكان الأول جديرا بالتصديق والتأكيد في النفس؛ ولذلك هو مقدم أبدا على القسم الآخر في الذكر؛ حسب ترتيبهما في الواقع. وسهل عطف الاسم على الفعل وحسنه. أن اسم الفاعل في معنى الفعل المضارع، فكل واحد منهما يقدر بالآخر، فلا جناح في عطفه عليه - والله أعلم - انتهى.