القول الثاني: إن هذه الآية مدنية النزول. ولا يرد أن هذه السورة مكية، ومناظرات اليهود كانت في المدينة؛ لأن كثيرا من السور المكية ألحقت بها آيات مدنية، وحينئذ فقولهم (هذه السورة مكية) أي: إلا ما استثني مما ألحق بها، كما أوضحه السيوطي في (الإتقان) وساق له شواهد. وقد أشرنا إلى ذلك أول هذه السورة، فتذكر!
ثم القائلون بأنها مدنية، منهم من قال: نزلت في طائفة من اليهود، أو في فنحاص، أو في مالك بن الصيف. أخرج ابن جرير من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس قال: قالت اليهود: والله ما أنزل الله من السماء كتابا، فأنزلت.
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير - مرسلا - قال:
" جاء رجل من اليهود يقال له: مالك بن الصيف، فخاصم النبي صلى الله عليه وسلم، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: " أنشدك بالذي أنزل التوراة على موسى، هل تجد في التوراة أن الله يبغض الحبر السمين " وكان حبرا سمينا؟ فغضب وقال: ما أنزل الله على بشر من شيء! فقال له أصحابه: ويحك! ولا على موسى؟ فأنزل الله: ﴿ وما قدروا الله حق قدره... ﴾ الآية ".
قال البغوي: وفي القصة أن مالك بن الصيف، لما سمعت اليهود منه تلك المقالة، عتبوا عليه، وقالوا: أليس الله أنزل التوراة على موسى، فلم قلت: ما أنزل الله من شيء؟ فقال مالك بن الصيف: أغضبني محمد، فقلت ذلك! فقالوا له: وأنت إذا غضبت تقول على الله غير الحق! فنزعوه عن الحبرية.
وبعد الوقوف على ذلك، فلا معنى لاعتراض بعضهم بأن مالك بن الصيف كان مفتخرا بكونه يهوديا متظاهرا بذلك، ومع هذا المذهب لا يمكنه ألبتة أن يقول: ما أنزل الله على بشر من شيء؛ لأنه تبين أنه قال ذلك متغيظا، وقد أخذ الغضب منه مأخذه عنادا ومكابرة، توصلا لدفع ما يريده. وقد يبلغ الحمق بصاحبه إلى حد يتبرأ فيه من مذهبه ومعتقده، إغاظة لخصمه على زعمه. وبوادر اللسان في حق المولى تعالى وتقدس، مما لا تغتفر، ولذا بين تعالى جهل ذاك القائل بقوله: ﴿ وما قدروا الله حق قدره ﴾.
قال العلامة البقاعي: لأن من نسب ملكا تام الملك إلى أنه لم يبث أوامره في رعيته بما يرضيه ليفعلوه، وما يسخطه ليجتنبوه، فقد نسبه إلى نقص عظيم. فكيف إذا كانت تلك النسبة كذبا؟ وإنما أسند إلى الكل - والقائل بعضهم - لأنهم لم يردوا على قائله، ولم يعاجلوه بالأخذ على يده، تهويلا للأمر، وبيانا لأنه يجب على كل من سمع بآيه من آيات الله أن يسعى إليها، ويتعرف أمورها. فمن طعن فيها أخذ على يده بما تصل إليه قدرته، فقال مشيرا إلى أن اليهود قائلوا ذلك، ملزما لهم بالاعتراف بالكذب، أو المساواة للأميين في التمسك بالهوى دون كتاب، موبخا لهم، ناعيا عليهم سوء جهلهم، وعظيم بهتهم، وشدة وقاحتهم، وعدم حيائهم ﴿ قل من أنزل الكتب الذي جآء به موسى ﴾؟ أي: قل لهؤلاء السفهاء الذين تجرؤوا على هذه المقالة، غير ناظرين في عاقبتها، وما يلزم منها، توبيخا لهم، وتوقيفا على شنيع جهلهم ﴿ من أنزل الكتب الذي جآء به موسى ﴾ الذي أنتم تزعمون التمسك بشرعه ﴿ تجعلونه قراطيس ﴾ أي: أوراقا مفرقة، لتتمكنوا بها من إخفاء ما أردتم، ﴿ تبدونها ﴾ للناس أي: تظهرونها للناس، ﴿ وتخفون كثيرا ﴾ أي: منها مما تريدون به تبديل الدين. هذا على قراءة الفوقانية. وعلى قراءة التحتانية التفات مؤذن بشدة الغضب، مشير إلى أن ما قالوه حقيق بأن يستحي من ذكره، فكيف بفعله. وقوله: ﴿ وعلمتم ﴾ أي: أيها اليهود بالكتاب الذي أنزل على موسى ﴿ ما لم تعلموا أنتم ﴾ أي: أيها اليهود من أهل هذا الزمان ﴿ ولا ءابآؤكم ﴾ أي: الأقدمون. انتهى كلام البقاعي رحمه الله تعالى. وفي قوله: (وإنما أسند إلى الكل...) إلى آخره، نظر؛ لأن إسناده ليس إليهم؛ لأنهم رضوا به؛ لأن القصة السالفة تدل على خلافه.