تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الثالث: اعلم أنه تعالى ذكر هنا ثمانية عشر نبيا من الأنبياء عليهم السلام من غير ترتيب، لا بحسب الزمان؛ ولا بحسب الفضل؛ لأن الواو لا تقتضي الترتيب. ولكن هنا لطيفة في هذا الترتيب، وهي أن الله تعالى خص كل طائفة من طوائف الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بنوع من الكرامة والفضل، فذكر أولا نوحا وإبراهيم وإسحاق ويعقوب لأنهم أصول الأنبياء، وإليهم ترجع أنسابهم جميعا. ثم من المراتب المعتبرة، بعد النبوة، الملك والقدرة والسلطان.

وقد أعطى الله داود وسليمان من ذلك حظا وافرا. ومن المراتب: الصبر عند نزول البلاء والمحن والشدائد، وقد خص الله بهذه أيوب عليه السلام، ثم عطف على هاتين المرتبتين من جمع بينهما، وهو يوسف عليه السلام، فإنه صبر على البلاء والشدة إلى أن آتاه الله ملك مصر مع النبوة. ثم من المراتب المعتبرة في تفضيل الأنبياء عليهم السلام كثرة المعجزات، وقوة البراهين، وقد خص الله موسى وهارون من ذلك بالحظ الوافر. ثم من المراتب المعتبرة: الزهد في الدنيا، والإعراض عنها، وقد خص الله بذلك زكريا ويحيى وعيسى وإلياس عليهم السلام، ولهذا السبب وصفهم بأنهم من الصالحين. ثم ذكر الله من بعد هؤلاء الأنبياء من لم يبق له أتباع ولا شريعة، وهم إسماعيل واليسع ويونس ولوط. فإذا اعتبرنا هذه اللطيفة على هذا الوجه، كان هذا الترتيب من أحسن شيء يذكر، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه - أفاده الخازن وأصله للرازي -.

الرابع: استدل بقوله تعالى: ﴿ وكلا فضلنا على العالمين ﴾ من يرى أن الأنبياء أفضل من الملائكة؛ لأن العالم اسم لكل موجود سوى الله تعالى، فيدخل فيه الملك.

الخامس: نكتة ذكر (الهداية) في قوله تعالى: ﴿ كلا هدينا ﴾ هو تعديد النعم على إبراهيم صلى الله عليه وسلم بشرف الأصول والفروع - كما أسلفنا - والولد لا يعد نعمة ما لم يكن مهديا.

السادس: قال السيوطي في (الإكليل): استدل بقوله تعالى: ﴿ كلا هدينا ونوحا هدينا ﴾ من أنكر إفادة التقديم الحصر.

محاسن التأويل · الصفحة ١٠٣٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاسن التأويلص ١٠٣٧