تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فأصحاب الهياكل هم عبدة الكواكب، إذ قالوا بإلهيتها - كما شرحنا - وأصحاب الأشخاص هم عبدة الأوثان، إذ سموها آلهة في مقابل آلهة أولئك السماوية، وقالوا:

هؤلاء شفعاؤنا عند الله

[يونس: 18]. وقد ناظر الخليل عليه الصلاة والسلام هذين الفريقين، فابتدأ بكسر مذهب أصحاب الأشخاص، وذلك قوله تعالى:

وتلك حجتنآ ءاتينهآ إبرهيم على قومه نرفع درجت من نشآء إن ربك حكيم عليم

[الأنعام: 83]. وتلك الحجة أن كسرهم قولا بقوله:

قال أتعبدون ما تنحتون * والله خلقكم وما تعملون

[الصافات: 95-96]. ولما كان أبوه آزر هو أعلم القوم بعمل الأشخاص والأصنام ورعاية الإضافات النجومية فيها حق الرعاية، ولهذا كانوا يشترون منه الأصنام، لا من غيره، كان أكثر الحجج معه، وأقوى الإلزامات عليه

وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر أتتخذ أصناما آلهة إني أراك وقومك في ضلال مبين

[الأنعام: 74] وقال:

يأبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا

[مريم: 42] لأنك جهدت كل الجهد، واستعملت كل العلم، حتى عملت أصناما في مقابلة الأجرام السماوية فما بلغت قوتك العلمية والعملية إلى أن تحدث فيها سمعا وبصرا، وأن تغني عنك، وتضر وتنفع، وإنك بفطرتك وخلقتك أشرف درجة منها، لأنك خلقت سميعا بصيرا ضارا نافعا. والآثار السماوية فيك أظهر منها في هذا المتخذ تكلفا، والمعمول تصنعا، فيا لها من حيرة، إذ صار المصنوع بيديك معبودا لك، والصانع أشرف من المصنوع.

يأبت لا تعبد الشيطان

[مريم: 44]

يأبت إني قد جآءني من العلم ما لم يأتك فاتبعني أهدك صراطا سويا

[مريم: 43]

قال أراغب أنت عن آلهتي يإبراهيم

[مريم: 46] فلم يقبل حجته القولية، فعدل عليه الصلاة والسلام إلى الكسر بالفعل،

فجعلهم جذاذا إلا كبيرا لهم لعلهم إليه يرجعون

[الأنبياء: 58]

قالوا من فعل هذا بآلهتنآ إنه لمن الظالمين

[الأنبياء: 59]

قال بل فعله كبيرهم هذا فاسألوهم إن كانوا ينطقون * فرجعوا إلى أنفسهم فقالوا إنكم أنتم الظالمون * ثم نكسوا على رءوسهم لقد علمت ما هؤلاء ينطقون

[الأنبياء: 63-65] فأفحمهم بالفعل حيث أحال الفعل على كبيرهم، كما أفحمهم بالقول، حيث أحال الفعل منهم، وكل ذلك على طريق الإلزام عليهم، وإلا فما كان الخليل كاذبا قط. ثم عدل إلى كسر مذاهب أصحاب الهياكل كما أراه الله تعالى الحجة على قومه، قال:

وكذلك نري إبراهيم ملكوت السموت والأرض وليكون من الموقنين

[الأنعام: 75] فأطلعه على ملكوت الكونين والعالمين تشريفا له على الروحانيات وهياكلها، وترجيحا لمذهب الحنفاء على مذهب الصابئة، وتقريرا أن الكمال في الرجال، فأقبل على إبطال مذهب أصحاب الهياكل

فلما جن عليه الليل رأى كوكبا قال هذا ربي

[الأنعام: 76] على ميزان إلزامه على أصحاب الأصنام

بل فعله كبيرهم هذا

[الأنبياء: 63] وإلا فما كان الخليل كاذبا في هذا القول، ولا مشركا في تلك الإشارة. ثم استدل بالأفول والزوال والتغير والانتقال، بأنه لا يصلح أن يكون ربا إلها، فإن الإله القديم لا يتغير، وإذا تغير فاحتاج إلى مغير، وهذا لو اعتقدتموه ربا قديما وإلها أزليا، ولو اعتقدتموه واسطة وقبلة وشفيعا ووسيلة، فالأفول والزوال أيضا، يخرجه عن الكمال. وعن هذا ما استدل عليهم بالطلوع، وإن كان الطلوع أقرب إلى الحدوث من الأفول، فإنهم إنما انتقلوا إلى عمل الأشخاص، لما عراهم من التحير بالأفول، فأتاهم الخليل عليه الصلاة والسلام من حيث تحيرهم، فاستدل عليهم بما اعترفوا بصحته. وذلك أبلغ في الاحتجاج ثم

فلمآ رأى القمر بازغا قال هذا ربي فلمآ أفل قال لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين

[الأنعام: 77]. فيا عجبا! من لا يعرف ربا كيف يقول:

لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين

[الأنعام: 77]؟ رؤية الهداية من الرب تعالى غاية التوحيد، ونهاية المعرفة، والواصل إلى الغاية والنهاية، كيف يكون في مدارج البداية؟ دع هذا كله خلف قاف، وارجع بنا إلى ما هو شاف كاف. فإن الموافقة في العبارة على طريق الإلزام على الخصم من أبلغ الحجج، وأوضح المناهج. وعن هذا قال:

محاسن التأويل · الصفحة ١٠٣٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاسن التأويلص ١٠٣٠