تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

تنبيهات وفوائد

قال بعض المفسرين: ثمرة الآية:

1 - أن الواجب في الدعاء: الإخلاص به، لأنه تعالى قال:

يريدون وجهه

[الأنعام: 52] - هكذا قال الحاكم - وهكذا جميع الطاعات، لا تكون لغرض الدنيا. قال النفس الزكية عليه السلام: إذا دعا الإمام ثم وجد أفضل منه، وجب عليه أن يسلم الأمر له. فإن لم يفعل ذلك فسق، لأنه إن لم يفعل دل على أنه طالب للدنيا.

2 - ودلت على أن الغداة والعشي لهما اختصاص بفضل العمل والدعاء، فلذلك خصهما بالذكر.

3 - ودلت على أن الفضل بالأعمال. وما خرج من المفاضلة من غير أمر الدين، كالكفاءة في النكاح، فذلك لمخصص، نحو قوله عليه السلام: العرب بعضها أكفاء لبعض.

4 - ودلت على أن أحدا لا يؤخذ بذنب غيره وهي كقوله:

ولا تزر وازرة وزر أخرى

[الأنعام: 164]. وقد تقدم ما ذكر فيما ورد: أن الميت ليعذب ببكاء أهله، على أن المراد إذا أوصاهم بذلك.

5 - ودلت على أن حديث النفس لا يؤاخذ به، لأنه قد روي أنه صلى الله عليه وسلم قد هم بذلك.

6 - ودلت على أن الفقر لا يؤثر في حال المؤمن. وقد ورد في الحديث عنه صلى الله عليه وسلم:

" يدخل فقراء المؤمنين الجنة قبل أغنيائهم بكذا سنة "

وروي: أن آخر من يدخل الجنة من الصحابة عبد الرحمن بن عوف لكثرة ماله. وروي: أن عليا عليه السلام لم يخلف شيئا بعد وفاته - هكذا في التهذيب - انتهى.

أقول: الحديث الأول، رواه الترمذي عن أبي هريرة وقال: حسن صحيح، ولفظه: يدخل الفقراء الجنة قبل الأغنياء بخمسمائة عام. وأما حديث: آخر من يدخل الجنة من الصحابة... إلخ فلم أجده بهذا اللفظ.

وقد روى البزار وأبو نعيم عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم:

" أول من يدخل الجنة من أغنياء أمتي عبد الرحمن بن عوف، والذي نفس محمد بيده! لن يدخلها إلا حبوا "

قال السيوطي: إسناده ضعيف - كذا في (منتخب كنز العمال) في ترجمة عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه في (فضائل الصحابة).

7 - هذا، وقال ابن الفرس: قد يؤخذ من هذه الآية ألا يمنع من يذكر الناس بالله وأمور الآخرة في جامع أو طريق أو غيره. قال: وقد اختلف المتأخرون في مؤذن يؤذن بالأسحار، ويبتهل بالدعاء، يردد ذلك إلى الصباح. وتأذى به الجيران، هل يمنع؟ واستدل (من قال: لا يمنع) بهذه الآية، وبقوله:

ومن أظلم ممن منع مساجد الله...

[البقرة: 114] الآية. انتهى.

8 - قرأ ابن عامر (بالغدوة) بالواو وضم الغين، هنا وفي سورة الكهف، والباقون بالألف وفتح الغين. وهي قراءة الحسن ومالك بن دينار وأبي رجاء العطاردي وغيرهم.

قال أبو عبيد: قرأ ابن عامر وأبو عبد الرحمن السلمي (بالغدوة)، وقرأ العامة (بالغداة) ونراهما قرآ ذلك اتباعا للخط، لأنهما رسمت في جميع المصاحف بالواو، كالصلاة والزكاة، وليس، في إثباتهم الواو في الكتابة، دليل على أنها القراءة، لأنهم قد كتبوا (الصلاة والزكاة) بالواو، ولفظهما على تركها، فكذلك (الغداة)، على هذا وجدنا ألفاظ العرب. انتهى.

وقال أبو علي الفارسي: الوجه قراءة العامة (بالغداة). لأنها تستعمل نكرة، فأمكن تعريفها بإدخال لام التعريف عليها. فأما (غدوة) فمعرفة، وهو علم صيغ له، وحينئذ فيمتنع دخول لام التعريف عليه، كسائر المعارف، وكتابتها بالواو لا تدل على قولهم. انتهى.

قال الشهاب مجيبا ومناقشا: إن (غدوة) وإن كان المعروف فيها أنها علم جنس، ممنوع من الصرف، ولا تدخله الألف واللام، ولا تصح إضافته، فلا تقول: غدوة يوم الخميس - كما قال الفراء - ولكنه سمع اسم جنس أيضا، منكرا مصروفا، فتدخله اللام، وقد نقله سيبويه في كتابه عن الخليل، وذكره جم غفير من أهل اللغة والنحو، فلا عبرة بقول أبي عبيد أن من قرأ بالواو أخطأ، وأنه اتبع رسم الخط؛ لأن الغداة تكتب بالواو، كالصلاة والزكاة، وهو علم جنس، لا تدخله الألف واللام، والمخطيء مخطيء، لما مر. وقد ذكر المبرد عن العرب تنكيره وصرفه، وإدخال الألف واللام عليه، إذا لم يرد غدوة يوم بعينه، ومن حفظ حجة على من لم يحفظ، وكفى بوقوعه في القراءة المتواترة حجة، فلا حاجة إلى ما قيل: إنه علم، لكنه نكر؛ لأن تنكير علم الجنس لم يعهد. ولا أنه معرفة، ودخلته اللام لمشاكلة العشي. كما في قوله: رأيت الوليد بن اليزيد مباركا، إذ قال (اليزيد) لمجاورة الوليد. ومنه تعلم أن المشاكلة قد تكون حقيقة. انتهى.

محاسن التأويل · الصفحة ١٠٠٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاسن التأويلص ١٠٠٦