ويمكن أن يكون الذين كفروا من قبل، كل من سبق اليهود والنصارى؛ من الذين كانوا يعتقدون بهذا المعتقد الذي يجعل لله ابنا يعبد من دون الله، أو يعبد مع الله، مثل تلك المعتقدات التي كان يعتقدها اليونان في توليد الآلهة، بعضهم من بعض، وكما كان يعتقد الفراعنة في آلهتهم، وإضافة ملوكهم إلى آلهة سماوية علوية، وكما يعتقد المعتقدون في بوذا وأنه مولود إلهي ا ه.
وجاء في تفسير المنار:
وقد علمنا من تاريخ قدماء الوثنيين في الشرق والغرب: أن عقيدة الابن لله والحلول والتثليث، كانت معروفة عند البراهمة في الهند وفي الصين واليابان وقدماء المصريين وقدماء الفرس.
وهذه الحقيقة التاريخية - والتي بينها القرآن في هذه الآية - من معجزاته؛ لأنه لم يكن يعرفها أحد من العرب ولا ممن حولهم، بل لم تظهر إلا في هذا الزمان 55.
والمعنى: إن هؤلاء الضالين الذين قال بعضهم: ﴿عزير ابن الله﴾ - وقال البعض الآخر: ﴿المسيح ابن الله﴾.
ليس لهم على قولهم الباطل هذا دليل ولا برهان؛ ولكنهم يشابهون ويتابعون فيه قول الذين كفروا من قبلهم من الأمم 56.
﴿قاتلهم الله﴾ - أي: لعنهم الله، أو طردهم من رحمته ورضوانه، أو أهلكهم الله؛ لأن من قاتله الله؛ هلك روى ابن جرير عن ابن عباس أن معنى قاتلهم الله لعنهم الله؛ وكل شيء في القرآن قتل فهو لعن.
والمقصود من هذا التعبير: التعجب من شفاعة قولهم حكى النقاش أن أصل قاتله الله: الدعاء، ثم كثر في استعمالهم حتى قالوه في التعجب في الخير والشر- وهم لا يريدون الدعاء، وأنشد الأصمعي:
يا قاتل الله ليلى كيف تعجبني .. - وأخبر الناس أنى لا أباليها
﴿أنى يؤفكون﴾.
كيف يصرفون عن الحق مع قيام الدليل عليه؟!
﴿ويؤفكون﴾ - من الإفك بمعنى: الانصراف عن الشيء؛ والابتعاد عنه، يقال: أفكه عن الشيء يأفه إفكا؛ أي: صرفه عنه وقلبه، ويقال: أفكت الأرض إفكا، أي: صرف عنها المطر.
والغرض من الاستفهام هنا: التعجب والتوبيخ.
أي: إن ما قالوه ظاهر البطلان وهو محل عجب العقلاء واستنكارهم وغضبهم، فالمسيح بشر يأكل الطعام، وتجري عليه أحكام البشر، فكيف يكون إلها؟!
قال تعالى: ﴿ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه صديقة كانا يأكلان الطعام﴾ - (المائدة: 75).
وقال سبحانه: ﴿لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله﴾ - (النساء: 172).
31 - (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لا إِلَهَ إِلا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ)
﴿اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إِلَهًا وَاحِدًا لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (31) يُرِيدُونَ أَن يُطْفِؤُواْ نُورَ اللّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (32) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (33)﴾.
المفردات:
أحبارهم: جمع حبر بكسر الحاء وفتحها لغتان كما قال الفراء - ويطلق على العالم مطلقا وغلب في عالم اليهود.
ورهبانهم: جمع راهب مأخوذ من الرهبة وهي الخوف، والمراد به هنا: عابد النصارى الذي اعتزل ملذات الحياة.
التفسير: