تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

10.34

﴿ قل هل من شركائكم من يبدأ الخلق ثم يعيده ﴾ جعل الإعادة كالإبداء في الإلزام بها لظهور برهانها وإن لم يساعدوا عليها، ولذلك أمر الرسول صلى الله عليه وسلم أن ينوب عنهم في الجواب فقال ﴿ قل الله يبدأ الخلق ثم يعيده ﴾ لأن لجاجهم لا يدعهم أن يعترفوا بها. ﴿ فأنى تؤفكون ﴾ تصرفون عن قصد السبيل.

10.35-40

﴿ قل هل من شركائكم من يهدى إلى الحق ﴾ بنصب الحجج وإرسال الرسل عليهم الصلاة والسلام والتوفيق للنظر والتدبر، وهدى كما يعدى بإلى لتضمنه معنى الانتهاء يعدى باللام للدلالة على أن المنتهي غاية الهداية وأنها لم تتوجه نحوه على سبيل الاتفاق ولذلك عدى بها ما أسند إلى الله تعالى. ﴿ قل الله يهدى للحق أفمن يهدى إلى الحق أحق أن يتبع أمن لا يهدى إلا أن يهدى ﴾ أم الذي لا يهتدي إلا أن يهدى من قولهم: أهدى بنفسه إذا اهتدى، أو لا يهدي غيره إلا أن يهديه الله وهذا حال أشراف شركائهم كالملائكة والمسيح وعزير، وقرأ ابن كثير وورش عن نافع وابن عامر " يهدى " بفتح الهاء وتشديد الدال. ويعقوب وحفص بالكسر والتشديد والأصل يهتدي فأدغم وفتحت الهاء بحركة التاء أو كسرت لالتقاء الساكنين. وروى أبو بكر " يهدي " بإتباع الياء الهاء. وقرأ أبو عمرو بالإدغام المجرد ولم يبال بالتقاء الساكنين لأن المدغم في حكم المتحرك. وعن نافع برواية قالون مثله وقرىء ﴿ إلا أن يهدى ﴾ للمبالغة ﴿ فما لكم كيف تحكمون ﴾ بما يقتضي صريح العقل بطلانه. ﴿ وما يتبع أكثرهم ﴾ فيما يعتقدونه. ﴿ إلا ظنا ﴾ مستندا إلى خيالات فارغة وأقيسة فاسدة كقياس الغائب على الشاهد والخالق على المخلوق بأدنى مشاركة موهومة، والمراد بالأكثر الجميع أو من ينتمي منهم إلى تمييز ونظر ولا يرضى بالتقليد الصرف. ﴿ إن الظن لا يغنى من الحق ﴾ من العلم والاعتقاد الحق. ﴿ شيئا ﴾ من الإغناء ويجوز أن يكون مفعولا به و ﴿ من الحق ﴾ حالا منه، وفيه دليل على أن تحصيل العلم في الأصول واجب والاكتفاء بالتقليد والظن غير جائز. ﴿ إن الله عليم بما يفعلون ﴾ وعيد على اتباعهم للظن وإعراضهم عن البرهان.

﴿ وما كان هذا القرءان أن يفترى من دون الله ﴾ افتراء من الخلق. ﴿ ولكن تصديق الذى بين يديه ﴾ مطابقا لما تقدمه من الكتب الإلهية المشهود على صدقها ولا يكون كذبا كيف وهو لكونه معجزا دونها عيار عليها شاهد على صحتها، ونصبه بأنه خبر لكان مقدرا أو علة لفعل محذوف تقديره: ولكن أنزله الله تصديق الذي. وقرىء بالرفع على تقدير ولكن هو تصديق. ﴿ وتفصيل الكتاب ﴾ وتفصيل ما حقق وأثبت من العقائد والشرائع. ﴿ لا ريب فيه ﴾ منتفيا عنه الريب وهو خبر ثالث داخل في حكم الاستدراك، ويجوز أن يكون حالا من الكتاب فإنه مفعول في المعنى وأن يكون استئنافا. ﴿ من رب العلمين ﴾ خبر آخر تقديره كائنا من رب العالمين أو متعلق بتصديق أو تفصيل، و ﴿ لا ريب فيه ﴾ اعتراض أو بالفعل المعلل وبهما أن يكون حالا من الكتاب أو من الضمير في ﴿ فيه ﴾ ، ومساق الآية بعد المنع عن اتباع الظن لبيان ما يجب اتباعه والبرهان عليه.

﴿ أم يقولون ﴾ بل أيقولون. ﴿ افتراه ﴾ محمد صلى الله عليه وسلم ومعنى الهمزة فيه للإنكار. ﴿ قل فأتوا بسورة مثله ﴾ في البلاغة وحسن النظم وقوة المعنى على وجه الافتراء فإنكم مثلي في العربية والفصاحة وأشد تمرنا في النظم والعبارة. ﴿ وادعوا من استطعتم ﴾ ومع ذلك فاستعينوا بمن أمكنكم أن تستعينوا به. ﴿ من دون الله ﴾ سوى الله تعالى فإنه وحده قادر على ذلك. ﴿ إن كنتم صدقين ﴾ أنه اختلقه.

﴿ بل كذبوا ﴾ بل سارعوا إلى التكذيب. ﴿ بما لم يحيطوا بعلمه ﴾ بالقرآن أول ما سمعوه قبل أن يتدبروا آياته ويحيطوا بالعلم بشأنه، أو بما جهلوه ولم يحيطوا به علما من ذكر البعث والجزاء وسائر ما يخالف دينهم. ﴿ ولما يأتهم تأويله ﴾ ولم يقفوا بعد على تأويله ولم تبلغ أذهانهم معانيه، أو ولم يأتهم بعد تأويل ما فيه من الإخبار بالغيوب حتى يتبين لهم أنه صدق أم كذب، والمعنى أن القرآن معجز من جهة اللفظ والمعنى ثم إنهم فاجئوا تكذيبه قبل أن يتدبروا نظمه ويتفحصوا معناه ومعنى التوقع في لما أنه قد ظهر لهم بالآخرة إعجازه لما كرر عليهم التحدي فزادوا قواهم في معارضته فتضاءلت دونها، أو لما شاهدوا وقوع ما أخبر به طبقا لأخباره مرارا فلم يقلعوا عن التكذيب تمردا وعنادا. ﴿ كذلك كذب الذين من قبلهم ﴾ أنبياءهم. ﴿ فانظر كيف كان عقبة الظلمين ﴾ فيه وعيد لهم بمثل ما عوقب به من قبلهم.

انوار التنزيل واسرار التأويل · الصفحة ٥٤٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

انوار التنزيل واسرار التأويلص ٥٤٧