11.120
وساعة ترى التنوين في قوله الحق ﴿ وكلا ﴾ فاعلم أن المقصود هو قصة كل رسول جاء بها الحق - سبحانه - في القرآن الكريم. وحين يتكلم الحق - سبحانه وتعالى - عن فعل قد أحدثه فلنا أن ننظر: هل هذا الفعل مأخوذ من صفة له - سبحانه - أم مأخوذ من اسم موجود؟ فيحق لنا أن نأخذ الاسم ونأخذ الفعل مثل قوله - تعالى:
خلقكم..
[النحل: 70]. نعلم منه أنه - سبحانه - خالق، ولكن إن جاء فعل ليس له أصل في أسماء الله الحسنى، فإياك أن تشتق من الفعل اسما لله. ومثال ذلك قوله - سبحانه: ﴿ وكلا نقص.. ﴾ [هود: 120]. والذي يقص هنا هو الله - سبحانه - لكن لا أحد في إمكانه أن يقول: إن الله قصاص، مثلما لا يحق لأحد أن يقول: إن الله ماكر، رغم أن الله - سبحانه - قد قال:
ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين
[الأنفال: 30]. وكذلك لا يصح لأحد أن يقول: الله المخادع، رغم أن الحق - سبحانه قد قال:
إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم..
[النساء: 142]. وهكذا نتعلم أدب الحديث عن الله المتصف بكل صفات الكمال والجلال وأن نكتفي بقول: إن مثل هذا الفعل جاء للمشاكلة ما دام ليس له وجود ضمن أسماء الله الحسنى. وهنا يقول الحق - سبحانه: ﴿ وكلا نقص عليك من أنباء الرسل.. ﴾ [هود: 120]. و " أنباء " جمع " نبأ " ، وهو الخبر العظيم الذي له أهمية، والذي يختلف به الحال عند العلم به، وأخبار الرسل - عليهم السلام - تتناثر لقطات مختلفة عبر سور القرآن الكريم، موضحة ما جاء به كل رسول معالجا الداء الذي عانى منه قومه، وكذلك ما عاناه كل رسول من عنت القوم المبعوث لهم، وجاء ذكر تلك الأنباء في القرآن لتثبيت فؤاد الرسول صلى الله عليه وسلم لأن الرسول سيصادف في الدعوة المتاعب والصعاب. وقد ذكر القرآن بعضا من تلك المواقف، يقول الحق - سبحانه:
وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله..
[البقرة: 214]. ويقول الحق - سبحانه - مصورا حال المؤمنين:
إذ جآءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا
[الأحزاب: 10]. ومثل هذه المواقف تقتضي تثبيت الفؤاد بمعنى تسكينه على منطق اليقين الإيماني برب أرسله رسولا ليبلغ منهجا، وما كان الله سبحانه ليرسل رسولا ليبلغ منهجا ثم يسلمه لأعدائه. فإذا ما ذكر له أخبار الرسل والصعاب التي تعرضوا لها تهون عليه المصاعب التي يتعرض لها، ويثبت فؤاده. و " الفؤاد " هو ما نقول عنه: " القلب " ، وهو وعاء العقائد، بمعنى أن المخ يستقبل من الحواس - وسائل الإدراكات من عين ترى، ومن أذن تسمع، ومن أنف يشم، ومن فم يستطعم، ومن كف تلمس - فتتولد المعلومات التي يصنفها المخ، ويرتبها كقضايا عقلية.
ويناقش المخ تلك القضايا العقلية إلى أن تصح القضية العقلية صحة لا يأتي بعدها ما ينقضها، فيسقطها المخ في الفؤاد لتصير عقيدة لا تطفو بعدها إلى العقل لتناقش من جديد ولذلك يسمونها " عقيدة " - من العقدة - فلا تتذبذب بعد ذلك. إذن: فالفؤاد هو الوعاء القابل للقضايا التي انتهى المخ من تمحيصها تمحيصا وصل فيه إلى الحق، وأسقطها على القلب ليدير حركة الحياة على مقتضاها. وعلى سبيل المثال: نجد الشاب الذي يفكر في مستقبله، فيدرس مزايا وعيوب المهن المختلفة ليختار منها التخصص الذي يتناسب مع مواهبه وأحلامه، ثم يدرس المحسات التي استقبلها بحواسه ليمحصها بعقله وما ينتهي إليه عقله يسقطه في قلبه ليصير عقيدة يدير بها حركة حياته. مثال هذا: أنه قد استقر في وجدان الناس وعقولهم أن النار محرقة، ولكن من أين جاء هذا اليقين في أن النار محرقة؟ نقول: جاء من أمر حسي بأن شاهد الناس أن من مسته النار أحرقته. لا بد - إذن - أن يكون القلب ثابتا غير مذبذب. ولذلك يقول الحق - سبحانه: ﴿ وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك.. ﴾ [هود: 120]. لأن الفؤاد هو الوعاء الذي من مهمته أن يكون مستعدا لاستقبال كلمة الحق وليقبل تنبيه الذكرى، وجلال الموعظة، وكمال الوارد من الحق - سبحانه - وما يأتي من الحق - سبحانه - هو الحق أيضا، والحق هو الشيء الثابت الذي لا يطرأ عليه تغيير. وحق الحق ينبوع العقيدة الذي ستصدر عنه طاعة التكليف، ولا بد أن يكون الإنسان على ثقة من حكمة المكلف قبل أن يقبل على التكليف لذلك لزم أن يأتي الدليل على وجود الحق - سبحانه - وهو قمة الوجود الأعلى - قبل أن تأتي الموعظة، ويكون الإيمان بالوجود الأعلى الذي لا يتغير ولا تطرأ عليه الأغيار هو السابق لمجيء تلك الموعظة. لأن الموعظة قد تتطلب من الإنسان شيئا يكره أن يلتزم به، وهي هنا صادرة من الحق - سبحانه - الذي خلق، ولا يمكن أن يغش أو يخدع مخلوقاته، ويحملها لك رسول منه - سبحانه. وقد تكره الموعظة إن صدرت عن إنسان مثلك لأنه لن يعظك إلا بكمال يتميز به ليعدد نقصا فيك، وإن لم يكن الواعظ يتمتع بالكمال الذي يعظ به بالموعوظ سيرد على الواعظ قائلا: فلتعظ نفسك أولا. ولذلك نجد قول الحق - سبحانه: