تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

11.10

وهنا نجد الضراء هي الموجودة، والنعماء هي التي تطرأ، عكس الحالة الأولى، حيث كانت الرحمة - من خير ويسر - هي الموجودة. فالنزع في الأولى طرأ على رحمة موجودة، والنعماء طرأت على ضراء موجودة. وهناك فرق بين نعماء ونعمة، وضراء وضر فالضر هو الشيء الذي يؤلم النفس، والنعمة هي الشيء الذي تتنعم به النفس. لكن التنعم والألم قد يكونان في النفس، ولا ينضح أي منهما على الإنسان، فإن نضح على الإنسان أثر النعمة يقال فيها " نعماء " ، وإن نضح عليه أثر من الضر يقال: " ضراء ". وهنا يقول الحق سبحانه: ﴿ ولئن أذقناه نعمآء بعد ضرآء مسته ليقولن ذهب السيئات عني.. ﴾ [هود: 10]. ولا يفطن من يقول ذلك إلى المذهب الذي أذهب السيئات لأن السيئة لا تذهب وحدها. ولو كان القائل مؤمنا لقال: رفع الله عني السيئات. لكنه غير مؤمن ولذلك يغرق في فرح كاذب وفخر لا أساس له. ويصفه الحق سبحانه وتعالى بقوله: ﴿.. إنه لفرح فخور ﴾ [هود: 10]. وكأن الفرح بالنعمة أذهله عن المنعم، وعمن نزع منه السيئة. وأما الفخر، فنحن نعلم أن الفخر هو الاعتداد بالمناقب، وقد تجد إنسانا يتفاخر على إنسان آخر بأن يذكر له مناقب وأمجادا لا يملكها الآخر. ونحن نعلم أن التميز لفرد ما يوجد في المجتمع، ولكن أدب الإيمان يفرض ألا يفخر الإنسان بالتميز. ولذلك نجد النبي صلى الله عليه وسلم يقول:

" أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر ".

وفي أحدى المعارك نجده صلى الله عليه وسلم يقول:

" أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب ".

وقد اضطر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقول ذلك لأن الكافرين في تلك المعركة ظنوا أنهم حاصروه هو ومن معه وأنه سوف يهرب، لكنه صلى الله عليه وسلم بشجاعته أعلن:

" أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب "

وكان أقرب المسلمين إلى مكان الأعداء الكافرين وفي مواجهتهم. ونحن نجد المتصارعين أو المتنافسين، واحدهم يدخل على الآخر بصوت ضخم ليهز ثقة الطرف الآخر بنفسه. والفخور إنسان غائب بحجاب الغفلة عن واهب المناقب التي يتفاخر بها، ولو كان مستحضرا لجلال الواهب لتضاءل أمامه، ولو اتجهت بصيرة المتكبر والفخور إلى الحق سبحانه وتعالى لتضاءل أمامه، ولرد كل شيء إلى الواهب. ومثال ذلك في القرآن الكريم هو قول الحق سبحانه على لسان صاحب موسى عليهما السلام:

وما فعلته عن أمري..

[الكهف: 82]. وهذا سلوك العابد المتواضع. أما حال الفخورين اللاهين عن الحق سبحانه وتعالى، فقد صوره القرآن في قول قارون:

إنمآ أوتيته على علم عندي..

[القصص: 78]. وكان مصيره هو القول الحق:

فخسفنا به وبداره الأرض..

[القصص: 81]. ولذلك قلنا: إنك تحصن كل نعمة عندك بقولك عند رؤيتها: " بسم الله ما شاء الله " لتتذكر أن هذه النعمة لم تأت بجهدك فقط، ولكنها جاءت لك أولا بمشيئة الله سبحانه وتعالى، وذلك لتبقي عين الواهب حارسة للنعمة التي عندك. أما حين تنسى الواهب فلن يحفظ تلك النعمة لك. ونحن نلحظ أن الحق سبحانه وتعالى لم يمنع الفرح المنبعث عن انشراح الصدر والسرور بنعمة الله بل طلبه منا في قوله سبحانه:

قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا..

[يونس: 58]. ولكن الحق سبحانه يطلب من المؤمن أن لا يكون الفرح المنبعث لأتفه الأسباب، والملازم له، وإلا كان من الفرحين الذين ذمهم الله تعالى. يقول الحق سبحانه وتعالى بعد ذلك: ﴿ إلا الذين صبروا وعملوا الصالحات... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٢٥٧٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٢٥٧٦