11.94
ونلحظ أن الحق سبحانه قد أورد في هذه السورة: أسلوبين منطوقين أحدهما بالواو، والآخر بالفاء. الأول: ﴿ ولما جآء أمرنا.. ﴾ [هود: 94]، في قصة اثنين آخرين من الرسل. الثاني:
فلما جآء أمرنا..
[هود: 66]. في قصة اثنين من الرسل. وقصة شعيب هي إحدى القصتين اللتين جاء فيهما ﴿ ولما جآء أمرنا ﴾ ولم يأت ب " الفاء " لأنها - كما نعلم - تقتضي التعقيب بسرعة، وبدون مسافة زمنية وتسمى في اللغة " فاء التعقيب " ، مثل قول الحق سبحانه:
ثم أماته فأقبره
[عبس: 21]. أما " ثم " فتأتي لتعقيب مختلف وهو التعقيب بعد مسافة زمنية مثل قول الحق سبحانه:
ثم إذا شآء أنشره
[عبس: 22]. وقد جاءت " الفاء " مرة في قصة قوم لوط لأن الحق سبحانه قد حدد الموعد الذي ينزل فيه العذاب، وقال:
إن موعدهم الصبح أليس الصبح بقريب
[هود: 81]. فكان لا بد أن تسبق " الفاء " هذا الحديث عن عذابهم، فقال:
فلما جآء أمرنا جعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليها حجارة من سجيل منضود
[هود: 82]. أما هنا في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها، فقد قال الحق سبحانه: ﴿ ولما جآء أمرنا نجينا شعيبا والذين آمنوا معه.. ﴾ [هود: 94]. ولم يذكر وعدا ولم يحدد موعد العذاب. والحق سبحانه يقول: ﴿ ولما جآء أمرنا.. ﴾ [هود: 94]. وكل أمر يقتضي آمرا ويقتضي مأمورا ويقتضي مأمورا به. والآمر هنا هو الله سبحانه وهو القادر على إنفاذ ما يأمر به، ولا يجرؤ مأمور ما على مخالفة ما يأمر به الحق سبحانه فالكون كله يأتمر بأمر خالقه. إذن: فحين يخبرنا الحق سبحانه وتعالى أن العذاب قد جاء لقوم فمعنى ذلك أن الأمر قد صدر ولم يتخلف العذاب عن المجيء لأن التخلف إنما ينشأ من مجازفة أمر لمأمور قد لا يطيعه، ولا يجرؤ العذاب على المخالفة لأنه مسخر، لا اختيار له. والقائل هنا هو الله سبحانه صاحب الأمر الكوني والأمر التشريعي فإذا قال الحق سبحانه حكما من الأحكام وسجله في القرآن فتيقن من أنه حادث لا محالة لأن القضية الكونية هي من الحق سبحانه وتعالى، ولا تتخلف أو تختلف مع مشيئته سبحانه، والحكم التشريعي يسعد به من يطبقه ويشقى من يخالفه. والحق سبحانه يعطينا مثالا لهذا في قصة أم موسى.. يقول جل شأنه:
وأوحينآ إلى أم موسى أن أرضعيه فإذا خفت عليه فألقيه في اليم..
[القصص: 7]. فمنطق البشر يقول: كيف نقول لامرأة: إذا خفت على ابنك ألقيه في البحر؟ كيف ننجيه من موت مظنون إلى موت محقق؟ هذا وإن كان مخالفا لسنن العادة إلا أن أم موسى سارعت لتنفيذ أمر الله سبحانه لأن أوامر الله بالإلهام للمقربين، لا يأتي لها معارض في الذهن.
والحق سبحانه كما أمرها بإلقاء وليدها في اليم، فقال:
إذ أوحينآ إلى أمك ما يوحى * أن اقذفيه في التابوت فاقذفيه في اليم..
[طه: 38-39]. كذلك أمر الحق - سبحانه وتعالى - اليم بإلقاء التابوت - وفي داخله موسى - للساحل، ولذلك فيقين أم موسى في أن أوامر الله لا تتخلف، جعلها تسارع في تنفيذ ما أمرها الله به. والحق سبحانه يريد أن يربب الإيمان، أي: يزيده في قلوب عباده، فهب أن الله قضى بقضية أو أمر بأمر، ثم لم يأت الكون على وفق ما أمر الله، فماذا يكون موقف الناس؟ فما دام رب العزة سبحانه قد قال فلا بد أن يحدث ما أمر به، فعندما يقول الحق سبحانه:
وإن جندنا لهم الغالبون
[الصافات: 173]. فلا بد أن تكون الغلبة لجنود الله، فإذا ما غلبوا فافهموا أن شرط الجندية لله قد تخلف، وأن عنصرا من عناصر الجندية قد تخلف وهو الطاعة. ومثال هذا: الذين خالفوا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم في البقاء على الجبل يوم أحد، إنهم خالفوا أمر الرسول صلى الله عليه وسلم، فماذا يحدث لو أنهم انتصروا مع هذه المخالفة؟ إذن: فقد انهزم المسلمون الذين اختلت فيهم صفة من صفات جنديتهم لله. ولا بد أن تلتقي القضيتان: القرآنية والكونية لأن قائل القرآن هو صاحب سنن الكون سبحانه وتعالى. ولأن أهل مدين هنا قد أعلنوا الكفر فلا بد أن يأتيهم العذاب. وسمى الحق سبحانه هنا العذاب بالصيحة وقال: ﴿.. وأخذت الذين ظلموا الصيحة فأصبحوا في ديارهم جاثمين ﴾ [هود: 94]. وسمى الحق سبحانه في سورة الأعراف العذاب الذي لحق بهم: " الرجفة " فقال: