11.18
هذه الآية تبدأ بخبر مؤكد في صيغة استفهام، حتى يأتي الإقرار من هؤلاء الذين افتروا على الله كذبا، والإقرار سيد الأدلة. والواحد من هؤلاء المفترين إذا سمع السؤال وأدار ذهنه في الظالمين، فلن يجد ظلما أفدح ولا أسوأ من الذي يفتري على الله كذبا، ويقر بذلك. وهكذا شاء الحق سبحانه أن يأتي هذا الخبر في صيغة استفهام، ليأتي الإقرار اعترافا بهذا الظلم الفظيع. وهؤلاء المكذبون يعرضون على الله مصداقا لقول الحق سبحانه: ﴿ أولئك يعرضون على ربهم.. ﴾ [هود: 18]. والعرض إظهار الشيء الخفي لنقف على حاله. ومثال ذلك في حياتنا: هو الاستعراض العسكري حتى يبين الجيش قوته أمام الخصوم، وحتى تبلغ الدولة غيرها من الدول بحجم قوتها. وكذلك نجد الضابط يستعرض فرقته ليقف على حال أفرادها، ويقيس درجة انضباط كل فرد فيها وحسن هندامه، وقدرة الجنود على طاعة الأوامر. ومثال آخر من حياتنا: فنحن نجد مدير المدرسة يستعرض تلاميذها لحظة إعلان نتائج الامتحان، ويرى المدير والتلاميذ خزي المقصر منهم أو الذي لم يؤد واجبه بالتمام. فما بالنا بالعرض على الله تعالى، حين يرى المكذبون حالهم من الخزي؟ ذلك أنهم سيفاجأون بوجود الله الذي أنكروه افتراء لأن الحق سبحانه يقول:
والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن مآء حتى إذا جآءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده..
[النور: 39]. فأي خزي - إذن - سيشعرون به؟! ويظهر الحق سبحانه وتعالى ما كان مخفيا منهم حين يعرض الكل على الله تعالى مصداقا لقوله سبحانه:
وعرضوا على ربك صفا..
[الكهف: 48]. وكذلك يعرضون على النار لأن الحق سبحانه هو القائل:
النار يعرضون عليها غدوا وعشيا..
[غافر: 46]. وهكذا يظهر الخزي والخجل والمهانة على هؤلاء الذين افتروا على الله تعالى. وهو سبحانه يعلم كل شيء أزلا، ولكنه سبحانه شاء بذلك أن يكشف الناس أمام بعضهم البعض، وأمام أنفسهم، حتى إذا ما رأى إنسان في الجنة إنسانا في النار، فلا يستثير هذا المشهد شفقة المؤمن لأنه يعلم أن جزاء المفتري هو النار. ويا ليت الأمر يقتصر على هذا الخزي، بل هناك شهادة الأشهاد لأن الحق سبحانه وتعالى يقول في نفس الآية: ﴿ ويقول الأشهاد هؤلاء الذين كذبوا على ربهم.. ﴾ [هود: 18]. والأشهاد جمع له مفرد، هو مرة " شاهد " ، مثل " صاحب " و " أصحاب " ، ومرة يكون المفرد " شهيد " مثل " شريف " و " أشراف ". والأشهاد منهم الملائكة لأن الحق سبحانه يقول:
ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد
[ق: 18]. وكذلك الحق سبحانه:
وإن عليكم لحافظين * كراما كاتبين * يعلمون ما تفعلون
[الإنفطار: 10-12]. أو شهود من الأنبياء الذين بلغوهم منهج الله لأن الحق سبحانه يقول:
فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا
[النساء: 41]. وأيضا الشهيد على هؤلاء هو المؤمن من أمة محمد عليه الصلاة والسلام، فيبلغها إلى غيره، مصداقا لقول الحق سبحانه:
وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهدآء على الناس..
[البقرة: 143]. وكلمة " الشهادة " تعني: تسجيل ما فعلوا، وتسجل أيضا أنهم بلغوا المنهج وعاندوه وخرجوا عليه، فارتكبوا الجريمة التي تقتضي العقاب، لأن العقوبة لا تكون إلا بجريمة، ولا تجريم إلا بنص، ولا نص إلا بإعلام. ولذلك نجد القوانين التي تصدر من الدولة تحمل دائما عبارة " يعمل بالقانون من تاريخ نشره في الجريدة الرسمية ". إذن: فعمل الأشهاد أن يعلنوا أن الذين أنكروا الرسالة والرسول قد بلغوا المنهج، وبلغوا أن إنكار هذا المنهج وإنكار هذا الرسول هو الجريمة الكبرى، وأن عقوبة هذا الإنكار هي الخلود في النار. ولأن الحق سبحانه وتعالى هو العدل نفسه لذلك فلا عقاب إلا بالتأكد من وقوع الجريمة، لذلك لا بد من شهادات متعددة، ولذلك يأتي الشاهد من الملائكة، وهو من جنس غير جنس المعروضين، ويأتي الشاهد من الأنبياء وهو من جنس البشر إلا أنه معصوم. وكذلك يأتي الشاهد من الإخوة المؤمنين الذين يشهدون أنهم قد بلغوا منهج الإيمان، ثم تأتي شهادة هي سيدة الشهادات كلها، وهي شهادة الأبعاض على الكل. يقول الحق سبحانه: