11.2
إذن: فقد أحكمت آيات الكتاب وفصلت لغاية هي: ألا نعبد إلا الله. والعبادة هي طاعة العابد للمعبود فيما أمر، وفيما نهى. وهكذا نجد أن العبادة تقتضي وجود معبود له أمر وله نهي، والمعبود الذي لا أمر له ولا نهي لا يستحق العبادة، فهل من عبد الصنم تلقى من أمرا أو نهيا؟ وهل من عبد الشمس تلقى منها أمرا أو نهيا؟ إذن: فكلمة العبادة لكل ما هو غير الله هي عبادة باطلة لأن مثل تلك المعبودات لا أمر لها ولا نهي، وفوق ذلك لا جزاء عندها على العمل الموافق لها أو المخالف لها. والعبادة بدون منهج " افعل " و " لا تفعل " لا وجود لها، وعبادة لا جزاء عليها ليست عبادة. وهنا يجب أن نلحظ أن قول الحق سبحانه: ﴿ ألا تعبدوا إلا الله.. ﴾ [هود: 2]. غير قوله سبحانه:
اعبدوا الله..
[المائدة: 72]. ولو أن الرسل تأتي الناس وهم غير ملتفتين إلى قوة يعبدونها ويقدسونها لكان على الرسل أن يقولوا للناس:
اعبدوا الله..
[الأعراف: 59]. ولكن هنا يقول الحق سبحانه: ﴿ ألا تعبدوا إلا الله.. ﴾ [هود: 2]. فكأنه سبحانه يواجه قوما لهم عبادة متوجهة إلى غير من يستحق العبادة فيريد سبحانه أولا أن ينهي هذه المسألة، ثم يثبت العبادة لله. إذن: فهنا نفي وإثبات، مثل قولنا: " أشهد ألا إله إلا الله " ، هنا ننفي أولا أن هناك إلها غير الله، ونثبت الألوهية لله سبحانه. وأنت لا تشهد هذه الشهادة إلا إذا وجد قوم يشهدون أن هناك إلها غير الله تعالى، ولو كانوا يشهدون بألوهية الإله الواحد الأحد سبحانه لكان الذهن خاليا من ضرورة أن نقول هذه الشهادة. ولكن قول الحق سبحانه ﴿ ألا تعبدوا إلا الله.. ﴾ [هود: 2]. معناه النفي أولا للباطل، وإذا نفي الباطل لا بد أن يأتي إثبات الحق، حتى يكون كل شيء قائما على أساس سليم. ولذلك يقال: " درء المفسدة مقدم دائما على جلب المنفعة " فالبداية ألا تعبد الأصنام، ثم وجه العبادة إلى الله سبحانه. وما دامت العبادة هي طاعة الأمر، وطاعة النهي، فهي - إذن - تشمل كل ما ورد فيه أمر، وكل ما ورد فيه نهي. وإن نظرت إلى الأوامر والنواهي لوجدتها تستوعب كل أقضية الحياة من قمة الشهادة بأن لا إله إلا الله، إلى إماطة الأذى عن الطريق. وكل حركة تتطلبها الحياة لإبقاء الصالح على صلاحه أو زيادة الصالح ليكون أصلح، فهذه عبادة. إذن: فالإسلام لا يعرف ما يقال عنه " أعمال دنيئة " ، و " أعمال شريفة " ولكنه يعرف أن هناك عاملا دنيئا وعاملا شريفا.
وكل عامل يعمل عملا تتطلبه الحياة بقاء للصالح أو ترقية لصلاحه وعدم الإفساد، فهذا عامل شريف وقيمة كل امرىء فيما يحسنه. وهكذا نجد أن كلمة العبادة تستوعب كل أقضية الحياة لأن هناك أمرا بما يجب أن يكون، وهناك نهيا عما يجب ألا يكون، وما لم يرد فيه نهي لك الخيار في أن تفعله أو لا تفعله، فإذا نظرت إلى نسبة ما تؤمر به، ونظرت ألى ما تنهى عنه بالنسبة لأعمال الحياة، لوجدت أنها نسبة لا تتجاوز خمسة في المائة من كل أعمال الحياة، ولكنها الأساس الذي تقوم عليه كل أوجه الحياة. ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وحج البيت وصوم رمضان ".
وأعداء الإسلام يحاولون أن يحددوا الدين في هذه الأركان الخمسة، ولكن هذه الأركان هي الأعمدة التي تقوم عليها عمارة الإسلام. وأركان الإسلام هي إعلان استدامة الولاء لله تعالى، وكل أمر من أمور الحياة هو مطلوب للدين لأنه يصلح الحياة. وهكذا نجد أن العلم بالدين ضرورة لكل إنسان على الأرض، أما العلوم الأخرى فهي مطلوبة لمن يتخصص فيها ويرتقي بها ليفيد الناس كلهم، وكلما كان المتفوق من المسلمين كان ذلك تدعيما لرفعة الإسلام. إذن فالقاسم المشترك في الحياة هو العلم بالدين، ولكن يجب أن نفهم هذه القضية على قدرها، فلا يأتي إنسان لا يعرف صحيح الدين ليتكلم والعول، والرد لأن المسلم قد تمر حياته كلها ولا يحتاج رأيا في قضية التوريث، أو أن يتعرف على المستحقين للميراث وأنصبتهم، وغير ذلك. وإن تعرض المسلم لقضية مثل هذه، نقول له: أنت إذا تعرضت لقضية مثل هذه فاذهب إلى المختصين بهذا العلم، وهم أهل الفقه والفتوى، لأنك حين تتعرض لقضية صحية تذهب إلى الطبيب، وحين تتعرض إلى قضية هندسية تذهب إلى المهندس، وإن تعرضت لعملية محاسبية تذهب إلى المحاسب، فإن تعرضت إلى أي أمر ديني، فأنت تسأل عنه أهل الذكر. وأنت إذا نظرت إلى العبادة، تجد أنها تتطلب كل حركة في الحياة، وسبق أن ضربت لذلك مثلا وقلت: هب أن إنسانا يصلي، ولا يفعل شيئا في الحياة غير الصلاة، فمن أين له أن يشتري ثوبا يستر به عورته ما دام لا يعمل عملا آخر غير الصلاة، وهو إن أراد أن يشتري ثوبا، فلا بد له من عمل يأخذ مقابله أجرا، ويشتري الثوب من تاجر التجزئة، الذي اشترى الأثواب من تاجر الجملة، وتاجر الجملة اشتراها من المصنع، في الدين لأن العلم بالدين يقتضي اللجوء إلى أهل الذكر. فإن قيل: الدين للجميع، نقول: صدقت بمعنى التدين للجميع، أما العلم بالدين فله الدراسة المتفقهة.