11.116
وكلمة " لولا " هنا تحضيضية، والتحضيض إنما يكون حثا لفعل لم يأت زمنه، فإن كان الزمن قد انتهى ولا يمكن استدراك الفعل فيه، تكون " لولا " للتحسر والتأسف. وفي سورة يونس يقول الحق سبحانه:
فلولا كانت قرية آمنت فنفعهآ إيمانها إلا قوم يونس..
[يونس: 98]. وذكرهم بالآيات. ونحن قد علمنا أن " لولا " لها استعمالان في اللغة، فهي إن دخلت على جملة اسمية، فهي تدل على امتناع لوجود، كقول إنسان لآخر: " لولا أن أباك فلانا لضربتك على ما أذنبت " وتسمى " لولا " في هذه الحالة " حرف امتناع لوجود ". وإذا دخلت " لولا " على جملة فعلية، فهي أداة تحضيض، وتحميس، وحث المخاطب على أن يفعل شيئا، مثلما تشجع طالبا على المذاكرة، فتقول له: " لولا ذاكرت بجد واجتهاد في العام الماضي لما نجحت ووصلت إلى هذه السنة الدراسية ". وفي هذا تحميس له على بذل مزيد من الجهد، أما إذا قلت لراسب: " لولا ذاكرت لما رسبت " فهذا توبيخ وتأسيف له على ما فات، وشحن طاقته لما هو آت لأن الزمن قد فات وانتهى وقت المذاكرة لذلك تكون " لولا " - هنا - للتقريع والتوبيخ. والحق سبحانه وتعالى يرشدنا إلى أن بقية الأشياء هي التي ثبتت أمام أحداث الزمن، فأحداث الزمن تأتي لتطوح بالشيء التافه أولا، ثم بما دونه ثم بما دونه، ويبقى الشيء القوي لأنه ثابت على أحداث الزمن وبقية الأشياء دائما خيرها. والحق سبحانه قد بين لنا أنه قد أهلك الأمم التي سبقت لأنه لم توجد فئة منهم تنهى عن الفساد في الأرض، وجاء الإهلاك لامتناع من يقاوم الفساد بالأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر. وضرب الحق سبحانه لنا المثل بالبقية في كل شيء، وأنها هي التي تبقى أمام الأحداث، ففي قصة شعيب عليه السلام يقول الحق سبحانه:
يقوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ولا تنقصوا المكيال والميزان إني أراكم بخير وإني أخاف عليكم عذاب يوم محيط * ويقوم أوفوا المكيال والميزان بالقسط ولا تبخسوا الناس أشيآءهم ولا تعثوا في الأرض مفسدين * بقية الله خير لكم إن كنتم مؤمنين..
[هود: 84-86]. ومعنى ذلك أن نقص المكيال أو الميزان قد يزيد التاجر ما عنده، ولكنه لا يلتفت إلى ما هو مدخور. ولذلك قال شعيب عليه السلام:
ويقوم أوفوا المكيال والميزان بالقسط ولا تبخسوا الناس أشيآءهم..
[هود: 85]. فأنت إن نظرت إلى شيء قد ذهب، فامتلك القدرة على أن تحقق فيه بالفهم، لتجده مدخرا لك باقيا. ولنا المثل في موقف رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أم المؤمنين عائشة - رضي الله عنها - حينما سألها عن شاة أهديت له، وكانت تعرف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب من الشاة كتفها، فتصدقت بكل الشاة إلا جزءا من كتفها، فلما سألها: ما فعلت بالشاة قالت: ذهبت كلها إلا كتفها.
هكذا نظرت عائشة - رضي الله عنها - هذا المنظور الواقعي بأن الباقي من الشاة هو كتفها فقط، وأنها تصدقت بباقي الشاة، ويلفتها رسول الله صلى الله عليه وسلم لفتة إيمان ويقين، ويقول لها: " بقي كلها إلا كتفها ". هكذا نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ما بقي من الشاة من خير. ويؤيد ذلك حديث قاله صلى الله عليه وسلم:
" وهل لك يابن آدم من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأمضيت ".
ويلفتنا القرآن الكريم إلى المنظور، وإلى المدخور، فيقول الحق سبحانه:
المال والبنون زينة الحياة الدنيا والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا..
[الكهف: 46]. ويصف الحق سبحانه هذا المدخور بقوله:
.. ثوابا وخير أملا
[الكهف: 46]. وفي آية أخرى يقول سبحانه:
.. والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا وخير مردا
[مريم: 76]. إذن: لا بد أن تنظر إلى الباقيات في الأشياء لأنها هي التي يعول عليها. ويلفتنا الحق سبحانه إلى ذلك في أكثر من موضع من القرآن الكريم، فيقول تعالى: