11.89
يقول لهم شعيب عليه السلام: أرجو ألا تحملكم عداوتكم لي على أن تجرموا جرما يكون سببا في أن ينزل الحق سبحانه بكم عقابا، مثلما أصاب القوم الذين سبقوكم من الذين خالفوا رسلهم فأنزل الله - عز وجل - عليهم العذاب كالغرق، و الرجفة، والصيحة، والصاعقة، فاحذروا ذلك. وشعيب عليه السلام ينصحهم هنا حرصا منه عليهم، على الرغم من علمه أنهم يكنون له العداء لأنه دعاهم إلى ترك عبادة الأصنام التي عبدها آباؤهم ونهاهم عن إنقاص الكيل والميزان، وألا يبخسوا الناس أشياءهم وسبق أن عذب الحق سبحانه المخالفين لشرع الله من الأمم السابقة ويذكرهم شعيب - عليه السلام - بأقرب من عذبوا زمانا ومكانا وهم قوم لوط. يقول الحق سبحانه وتعالى بعد ذلك: ﴿ واستغفروا ربكم ثم توبوا إليه... ﴾.
11.90
وهذه الآية تبين لنا أن الحق سبحانه لا يغلق أمام العاصي - حتى المصر على شيء من المعصية - باب التوبة. ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" الله أفرح بتوبة عبده من أحدكم سقط على بعيره وقد أضله في أرض فلاة ".
ولنا أن نتخيل بماذا يشعر من فقد بعيره وهذا البعير يحمل زاد صاحبه ورحله ثم يعثر الرجل على بعيره هذا. لا بد - إذن - أن يفرح صاحب البعير بالعثور عليه. والحق سبحانه يقول هنا ما جاء على لسان شعيب - عليه السلام - لقومه: ﴿ واستغفروا ربكم ثم توبوا إليه.. ﴾ [هود: 90]. وما دمتم ستستغفرونه عن الذنوب الماضية وتتوبون إليه بألا تعودوا إلى ارتكابها مرة أخرى فالحق سبحانه لا يرد من قصد بابه: ﴿.. إن ربي رحيم ودود ﴾ [هود: 90] لأن مغفرته تستر العذاب، ورحمته تمنع العذاب. وجاء الحق سبحانه هنا بأوسع المعاني: المغفرة، والرحمة، ومعهما صفته " الودود " وهي من الود والود هو الحب والحب يقتضي العطف على قدر حاجة المعطوف عليه. ولله المثل الأعلى: نرى الأم ولها ولدان: أولهما قادر ثري يأتي لها بما تريد وثانيهما ضعيف فقير فنجد قلب الأم - دائما - مع هذا الضعيف الفقير وتحنن قلب القوي القادر على الفقير الضعيف. ونجد المرأة العربية القديمة تجيب على من سألها: أي أبنائك أحب إليك؟ فتقول: الصغير حتى يكبر والغائب حتى يعود والمريض حتى يشفى. إذن: فالحب يقتضي العطف على قدر الحاجة. ويقول الحق سبحانه في الحديث القدسي:
" يا بن آدم لا تخافن من ذي سلطان ما دام سلطاني باقيا وسلطاني لا ينفد أبدا. يا بن آدم لا تخش من ضيق رزق وخزائني ملآنة، وخزائني لا تنفد أبدا. يا بن آدم خلقتك للعبادة فلا تلعب، وضمنت لك رزقك فلا تتعب، فوعزتي وجلالي إن رضيت بما قسمته لك أرحت قلبك وبدنك وكنت عندي محمودا وإن أنت لم ترض بما قسمته لك فوعزتي وجلالي لأسلطن عليك الدنيا، تركض فيها ركض الوحوش في البرية ثم لا يكون لك منها إلا ما قسمته لك. يا بن آدم خلقت السماوات والأرض ولم أعي بخلقهن أيعييني رغيف عيش أسوقه لك؟ يا بن آدم لا تسألني رزق غد كما أطلب منك عمل غد. يا بن آدم أنا لك محب فبحقي عليك كن لي محبا ".
وهذا الحديث الكريم يبين مدى مودة الله سبحانه لخلقه تلك المودة التي لا تستوعبها القلوب المشركة. ويأتي الحق - سبحانه وتعالى - بعد ذلك بقول أهل مدين ردا على شعيب - عليه السلام -: ﴿ قالوا يشعيب ما نفقه كثيرا... ﴾.