تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

11.37

وهكذا علم نوح بمسألة الإغراق من خلال الوحي له بصنع السفينة. ومعنى " اصنع " أي: اعمل الصنعة، وهناك فرق بين الصنعة والحرفة، فالصنعة أن توجد معدوما، كصانع الأكواب، أو صانع الأحذية، أو صانع النجف، أو صانع الكراسي، أما الذي يقوم على صيانة الصنعة فهو الحرفي. وهناك عملية أخرى للاستنباطات مثل مهنة الزارع الذي يحرث الأرض ويبذر فيها الحب ويرويها ليستنبط منها النباتات، ويسمى صاحب هذه المهنة " زارع " أو " فلاح " لأن اقتيات الحياة المباشر يأتي من الزراعة. أما الصانع فيأتي بشيء من متطلبات الحياة، في تطورها ويوجد آلة أو يصنع جهازا لم يكن موجودا، والحرفي هو الذي يصون تلك الآلة، أما التاجر فهو الذي يقوم بعملية تجمع كل ذلك، ويكون هو الوسيلة بين منتج الشيء والمستهلك، فالتاجر يكون لعرض الأشياء بغية البيع والشراء. والحق سبحانه وتعالى يقول هنا لنوح عليه السلام: ﴿ واصنع الفلك.. ﴾ [هود: 37]. أي: أوجد شيئا من عدم، إلا أن هذا الشيء سيصنع من شيء آخر موجود، لأن نوحا عليه السلام قد زرع من قبل شجرة وعاشت معه كل هذه المدة الطويلة، وتضخمت في الجذع والفروع. وبدأ نوح عليه السلام في عملية شق الشجرة ليصنع منها السفينة التي بلغ طولها - كما قيل - ثلاثمائة ذراع وبلغ عرضها خمسين ذراعا، وبلغ ارتفاعها ثلاثين ذراعا ومكونة من ثلاثة أدوار لتسع المؤمنين، وزوجين من كل نوع من حيوانات الأرض ودوابها وهوامها وسباعها ووحوشها. ونحن قد علمنا أن الشجرة التي زرعها نوح عليه السلام قد تضخمت جدا لطول المدة التي قضاها نوح في دعوته لقومه ونعلم أيضا أن جذع الشجرة ينمو دائريا بمقدار دائرة كل عام. وحين نقطع جذع الشجرة نجد أن قطر الجذع مكون من دوائر، وكل دائرة تمثل عاما من عمرها. وهكذا بلغ حجم الشجرة ما يساعد نوحا عليه السلام على أن يصنع السفينة. وقد علمه الحق سبحانه بالوحي وإلهام الخواطر كيف يصنع السفينة، ألم يلهم الله سبحانه نبيه داود عليه السلام في مسألة الحديد؟ وقال لنا سبحانه أنه - جل وعلا - قد أمر الجبال أن تؤوب معه، وكذلك الطير، فألان له الحديد دون نار:

يجبال أوبي معه والطير وألنا له الحديد * أن اعمل سابغات..

[سبأ: 10-11]. هكذا أخبرنا الحق سبحانه أن الحديد صار لينا دون نار - بإذنه سبحانه - ليصنع منه داود دروعا كبير مستوفية للظهور والصدر، لتحمي معاطب الإنسان. وقد أوحى الحق سبحانه لداود عليه السلام أن يصنع تلك الدروع بطريقة عجيبة، بأن يجعلها سابغات. والسابغة هي المسرودة، مثل الحصير، حيث يوضع العود بجانب العود، ويربط الأعواد كلها بطريقة تسهل من فرد الحصير أو لفه.

وفي نفس الآية يبين لنا الحق سبحانه كيفية الوحي لداود عليه السلام بتلك الصناعة الدقيقة، فيقول سبحانه:

وقدر في السرد..

[سبأ: 11]. أي: أنك يا داود حين تنسج الحديد اللين - بإذن الله تعالى - لتجعله دروعا عليك أن تصنع تلك الدروع بتقدير دقيق كي لا تكون الدرع ضيقة على صدر المقاتل فتضيق حركته، وتقلل من قدرته على التنفس، فيلهث بسرعة، ولا يستطيع مواصلة القتال. وكذلك يجب ألا تكون الدرع واسعة على صدر المقاتل حتى لا تساعد سعة الدرع سيف الخصم، فيضرب الدرع نفسه صدر المقاتل، وتكون قوة الدرع مضافة إلى قوة سيف الخصم، ولكن حين تكون الدرع قادرة على الإحاطة بالجسم دون أن يكبل الحركة، فهذه الدرع المناسبة للقتال. وقد أتقن داود عليه السلام صناعة تلك الدروع بتلك الهندسة الدقيقة التي أوحى الحق سبحانه بها إليه، فقد صنعها بأمر الحق الأعلى سبحانه حين قال له:

وقدر..

[سبأ: 11] وكلمة قدر تعطي معنى التقدير والإتقان. فعلى الذين يصنعون الأشياء عليهم أن يعلموا أن القرآن الكريم لحظة يوجه إلى الإتقان في الأداء والعمل، فإنه يعلمنا طريقة التقدير والإتقان في العمل والإبداع فيه، لنتخذ من هذا التوجيه نبراسا نسير عليه ليكون العمل صالحا، وأنت ترى من يتقن صنعته وهو يقول: " الله " ، وكأن هذا القول اعتراف الفطرة الأولى بقدرة الحق سبحانه على أن يهب الإنسان طاقة الإتقان والإبداع. ويقول الحق سبحانه أيضا في تعليمه لداود عليه السلام:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٢٦٠٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٢٦٠٧