إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضآء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون
[المائدة: 91]. وكأن هذا الاستفهام يحمل صيغة الأمر بأن: انتهوا من الخمر والميسر، واخجلوا مما تفعلون. إذن: فقول الحق سبحانه في آخر الآية الكريمة: ﴿.. فهل أنتم مسلمون ﴾ [هود: 14] يعني: أسلموا، واتركوا اللجاجة بأن القرآن قد جاء من عند محمد، أو أنه افتراه، بل هو من عند الله سبحانه الذي لا إله إلا هو. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: ﴿ من كان يريد الحياة الدنيا... ﴾.
11.15
وكان الكافرون قد تكلموا بما أورده الحق سبحانه على ألسنتهم وقالوا:
لولا أنزل عليه كنز..
[هود: 12]. فهم - إذن - مشغولون بنعيم الدنيا وزينتها. والحياة تتطلب المقومات الطبيعية للوجود، من ستر عورة، وأكل لقمة وبيت يقي الإنسان ويؤويه. أما الزينة فأمرها مختلف، فبدلا من أن يرتدي الإنسان ما يستر العورة، يطلب لنفسه الصوف الناعم شتاء، والحرير الأملس صيفا، وبدلا من أن يطلب حجرة متواضعة تقيه من البرد أو الحر، يطلب لنفسه قصرا. وفي ذلك يقول الحق سبحانه وتعالى:
زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث..
[آل عمران: 14]. وكل هذه أشياء تدخل في متاع الحياة الدنيا، ويقول الحق سبحانه:
.. ذلك متاع الحياة الدنيا والله عنده حسن المآب
[آل عمران: 14]. إذن: ما معنى كلمة " زينة "؟ معنى كلمة " زينة " أنها حسن أو تحسين طارىء على الذات، وهناك فرق بين الحسن الذاتي والحسن الطارىء من الغير. والمرأة - على سبيل المثال - حين تتزين فهي تلبس الثياب الجميلة الملفتة، وتتحلى بالذهب البراق، فهو المعدن الذي يأخذ نفاسته من كثرة تلألئه الذي يخطف الأبصار، ولا تفعل ذلك بمغالاة إلا التي تشك في جمالها. أما المرأة الجميلة بطبيعتها، فهي ترفض أن تتزين ولذلك يسمونها في اللغة: " الغانية " ، أي: التي استغنت بجمالها الطبيعي عن الزينة، ولا تحتاج إلى مداراة كبر أذنيها بقرط ضخم، ولا تحتاج إلى مداراة رقبتها بعقد ضخم، ولا تحاول أن تداري معصمها الريان بسوار، وترفض أن تخفي جمال أصابعها بالخواتم. وحين تبالغ المرأة في ذلك التزين فهي تعطي الانطباع المقابل. وقد يكون المثل الذي أضربه الآن بعيدا عن هذا المجال، لكنه يوضح كيف يعطي الشيء المبالغ فيه المقابل له. وفي ذلك يقول المتنبي:
الطيب أنت إذا أصابك طيبه
والماء أنت إذا اغتسلت الغاسل
وهو هنا يقول: إن الطيب إذا ما أصاب ذلك الإنسان الموصوف، فالطيب هو الذي يتطيب، كما أن الماء هو الذي يغسل إذا ما لمس هذا الإنسان، وكذلك تأبى المرأة الجميلة أن تزين نحرها بقلادة لأن نحرها بدون قلادة يكون أكثر جمالا. ويقال عن مثل هذه المرأة " غانية " لأنها استغنت بجمالها. ويقال عن جمال نساء الحضر: إنه جمال مصنوع بمساحيق، وكأن تلك المساحيق مثبتة على الوجه بمعجون كمعجون دهانات الحوائط، وكأن كل واحدة تفعل ذلك قد جاءت بسكين من سكاكين المعجون لتملأ الشقوق المجعدة في وجهها. ولحظة أن يسيح هذا المعجون ترتبك، ويختل مشهد وجهها بخليط الألوان ولذلك يقال:
حسن الحضارة مجلوب بتطرية
وفي البداوة حسن غير مجلوب
إذن: فالزينة هي تحسين الشيء بغيره، والشيء الحسن يستعني عن الزينة. وهنا يقول الحق سبحانه وتعالى: ﴿ من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون ﴾ [هود: 15]. أي: إن كفرتم بالله فهو سبحانه لا يضن عليكم في أن يعطيكم مقومات الحياة وزينتها لأنه رب، وهو الذي خلقكم واستدعاكم إلى الوجود، وقد ألزم الحق سبحانه نفسه أن يعطيكم ما تريدون من مقومات الحياة وزينتها لأنه سبحانه هو القادر على أن يوفي بما وعد. وهو سبحانه يقول هنا: ﴿ نوف إليهم أعمالهم.. ﴾ [هود: 15]. أي: أنهم إن أخذوا بالأسباب فالحق سبحانه يلزم نفسه بإعطاء الشيء كاملا غير منقوص. وهم في هذه الدار الدنيا لا يبخسون في حقوقهم، فمن يتقن عمله يأخذ ثمرة عمله. وهذا القول الكريم يحل لنا إشكالا كبيرا نعاني منه، فهناك من يقول: إن هؤلاء المسلمين الذين يقولون: لا إله إلا الله، محمد رسول الله، ويقيمون الصلاة، ويبنون المساجد، بينما هم قوم متخلفون ومتأخرون عن ركب الحضارة، بينما نجد الكافرين وهم يرفلون في نعيم الحضارة. ونقول: إن لله تعالى عطاء ربوبية للأسباب، فمن أحسن الأسباب حتى لو كان كافرا، فالأسباب تعطيه، ولكن ليس له في الآخرة من نصيب لأن الحق سبحانه يقول: