فالساحر له تأثير على المسحور، والمسحور لا دخل له في عملية السحر، فإذا كان محمد قد سحر القوم الذين اتبعوه، فلماذا لم يسحر هؤلاء المنكرين لرسالته بنفس الطريقة التي سحر بها غيرهم؟ وحيث إنهم قد بقوا على ما هم عليه من عناد لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فهذا دليل على أن المسألة ليست سحرا، ولو كان الأمر كذلك لسحرهم جميعا. وقولهم: ﴿.. إن هذآ إلا سحر مبين ﴾ [هود: 7]. يدل على أنه سحر محيط، لا سحر لأناس خاصين، فكلمة ﴿ سحر مبين ﴾ تعني: سحرا محيطا بكل من يريد سحره. وبقاء واحد على الكفر دون إيمان برسول الله يدل على أن المسألة ليست سحرا. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: ﴿ ولئن أخرنا عنهم العذاب إلى أمة... ﴾.
11.8
وساعة تجد ﴿ لئن ﴾ فافهم اللام الأولى التي بعد " و " إنما جاءت لتدل على أن الكلام فيه قسم مؤكد، وإن كان محذوفا، واكتفى باللام عن القسم، وتقديره: " والله لئن ". والقسم يأتي لتأكيد المقسم عليه بالمقسم به، وتأكيد المقسم عليه إنما يأتي لأن هناك من يشك فيه. فأنت لا تقسم لإنسان تلقاه وتقول له: والله لقد كنت عند فلان بالأمس. إذن: فالقسم يأتي لشك طرأ عند السامع، وأنت لا تقسم ابتداء. ويأتي القسم على مقدار مراتب الشك، وتأكيدا بأدواته. والقرآن الكريم يقول هنا: ﴿ ولئن أخرنا عنهم العذاب إلى أمة معدودة.. ﴾ [هود: 8]. فالواو هنا هي واو القسم، وهنا أيضا شرط، والقسم يحتاج لجواب، والشرط أيضا يحتاج إلى جواب. وإذا اجتمع الشرط والقسم فبلاغة الأسلوب تكتفي بجواب واحد، مثلما نقول: " والله إن فعلت كذا لأفعلن معك كذا ". وهكذا يغني جواب القسم عن جواب الشرط، والمتقدم سواء أكان قسما أو شرطا هو الذي يغني جوابه عن الآخر. مثلما نقول: " والله إن جاء فلان لأكرمته " ، فالقسم هنا متقدم، وأغنى جوابه عن جواب الشرط. وإن قلت: إن جاءك فلان والله لتكرمه، فهنا الشرط هو المتقدم. والاثنان متحدان، لكن غاية ما هناك أن القسم تأكيد والشرط تأسيس، فإذا تقدم ذو خبر على الاثنين - على الشرط وعلى القسم - نأتي بجواب الشرط فورا، مثلما نقول: " زيد والله إن جاءك أكرمه " لأن الشرط كما قلنا تأسيس، والقسم تأكيد، ويرجح هنا الشرط، لأن التأسيس أولى من التأكيد. وهنا يقول الحق سبحانه: ﴿ ولئن أخرنا عنهم العذاب إلى أمة معدودة ليقولن ما يحبسه.. ﴾ [هود: 8]. والجواب هنا للقسم، وهو يغني عن جواب الشرط. أي: أن العذاب يؤخر. وقد أوعد الحق - سبحانه - الكافرين بمحمد صلى الله عليه وسلم بأن يعذبهم، وكان العذاب للأمم السابقة هو عذاب استئصال، منهم من أرسل الله سبحانه عليه عاصفة، ومنهم من أخذته الصيحة، ومنهم من أغرقه، ومنهم من خسف به الأرض. فكأن مهمة الرسل السابقين أن يبلغوا الدعوة، ثم تتلوى السماء تأديب الكافرين بالرسالات. ولكن الحق سبحانه وتعالى قد شاء أن يفضل أمة محمد صلى الله عليه وسلم على الأمم كلها، وأن تعذب الكافرين في المعارك. وحين يتوعدهم الرسول صلى الله عليه وسلم بعذاب، فللعذاب ميلاد، وقد يؤخر ليرى المحيطون بالكافرين الضلال والفساد، فإذا ما وقع عذاب الله سبحانه على هؤلاء الكافرين، فلن يحزن عليهم أحد. وهكذا أراد الله سبحانه الإمهال والإملاء ليكون لهما معنى واضح في الحياة، والإملاء للظالم لتزداد مظالمه زيادة تجعل الأمة التي يعيش فيها تكره ظلمه، فإذا وقع عليه عذاب، لا يعطف عليه أحد.
ونحن نعلم أن النفس البشرية بنت المشهد، فحين يقتل واحد وتمر سنوات على قضيته، ثم يصدر الحكم بإعدامه، فالناس تنسى لذعة القتل الأول، وتعطف على القاتل حين يصدر الحكم بإعدامه. ولذلك أقول دائما: إن من دواعي استمرار الجرائم إبطاءات المحاكمة، تلك الإبطاءات التي تجعل عواطف الناس من المجرم لأن مشهد المقتول أولا قد انتهى من ذاكرتهم. ولكن لو استحضر الناس - وقت العقوبة - ظرف الجريمة لفرحوا بالحكم على القاتل بالقتل. ولذلك نجد الحق - سبحانه وتعالى - حينما يريد أن يعذب أحدا يقول: