تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

11.119

أي: أن الحق - سبحانه - قد خلق الخلق للرحمة والاختلاف. وساعة نرى " اسم إشارة " أو " ضميرا " عائدا على كلام متقدم، فنحن ننظر ماذا تقدم. والمتقدم هنا:

ولا يزالون مختلفين * إلا من رحم ربك..

[هود: 118-119]. والحق - سبحانه وتعالى - حين تكلم عن خلق الإنسان قال:

وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون

[الذاريات: 56]. ومعنى العبادة هو طاعة الله - سبحانه - في " افعل " و " لا تفعل " وهذا هو المراد الشرعي من العبادة ولكن المرادات الاجتماعية تحكمت فيها خاصية الاختيار، فحدث الاختلاف، ونشأ هذا الاختلاف عن تعدد الأهواء. فلو أن هوانا كان واحدا لما اختلفنا، ولكنا نختلف نتيجة لاختلاف الأهواء، فهذا هواه يميني وذاك هواه يساري وثالث هواه شيوعي ورابع هواه رأسمالي وخامس هواه وجودي، وكل واحد له هوى. ولذلك قال الحق - سبحانه:

ولو اتبع الحق أهوآءهم لفسدت السماوات والأرض..

[المؤمنون: 71]. ولم يكن العالم ليستقيم لو اتبع الله - سبحانه - أهواء البشر المختلفة، ولكن أحوال هذا العالم يمكن أن تستقيم إذا صدرت حركته الاختيارية عن هوى واحد ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم:

" لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به ".

وفي حياتنا اليومية نلاحظ أن الأعمال التي تسير بها حركة الحياة وبدون أن ينزل تكليف فيها نجد فيها اختلافا لا محالة لأن الحق سبحانه وتعالى لو شاء لخلقنا كلنا عباقرة في كل مناحي الحياة أو يخلقنا كلنا شعراء أو أطباء أو فلاسفة. ولو شاء - سبحانه - ذلك فمن سيقوم بالأعمال الأخرى؟ فلو أننا كنا كلنا أطباء فمن يقوم بأعمال الزراعة وغيرها؟ ولو كنا جميعا مهندسين فمن يقوم بأعمال التجارة وغيرها؟ وقد شاء الحق - سبحانه - أن يجعل مواهبنا مختلفة ليرتبط العالم ببعضه ارتباط تكامل وضرورة لا ارتباط تفضل. ولذلك يقول الحق - سبحانه:

أهم يقسمون رحمت ربك نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضا سخريا..

[الزخرف: 32]. وهكذا نعرف أن رفع الدرجات لا يعني تلك النظرة الحمقاء الرعناء، والتي تدعي أن في ذلك التقسيم رفعة للغنى وتقليلا لشأن الفقير لأن الواقع يؤكد أن كل إنسان هو مرفوع في جهة بسبب ما يحسنه فيها ومرفوع عليه في جهة أخرى بسبب ما لا يحسنه ويحسنه غيره، وغيره مكمل له. وهكذا يتبادل البشر ما يحققه اختلاف مواهبهم، واختلاف المواهب هي مقومات التلاحم. ولذلك قلنا: إن مجموع سمات ومواهب كل إنسان إنما يتساوى مع مجموع سمات ومواهب كل إنسان آخر، ولا تفاضل إلا بالتقوى وقيمة كل امرىء ما يحسنه.

وقد ترى صاحب السيارة الفارهة وهو يرجو عامل إصلاح السيارات الذي يرتدي ملابس رثة ومتسخة ليصلح له سيارته فيقول له العامل: لا وقت عندي لإصلاح سيارتك فيلح صاحب السيارة الفارهة بالرجاء فيرضى العامل ويرق قلبه لحال هذا الرجل صاحب السيارة الفارهة ويذهب لإصلاحها. لذلك أقول: إذا نظرت لمن هو دونك في أي مظهر من مظاهر الحياة فلا تغتر بما تفوقت وتميزت به عليه ولكن قل لنفسك: لا بد أن هذا الإنسان متفوق في مجال ما. ونحن نعلم أن الله - سبحانه وتعالى - ليس له أبناء ليميز واحدا بكامل المواهب، ويترك آخر دون موهبة. ولذلك يقول الحق - سبحانه - هنا:

ولا يزالون مختلفين * إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم..

[هود: 118-119]. وإن كان الاختلاف في المقدرات والمنهج فهذا ما يولد الكفر أو الإيمان، ولنا أن نعرف أن الكفر له رسالة بل هو لازم ليستشعر المؤمن حلاوة الإيمان. ولو لم يكن للكفر وظيفة لما خلقه الله. وقد قلت قديما: إن الكفر يعاون الإيمان مثلما يعاون الألم العافية، فلولا الألم لما جئنا بالطبيب ليشخص الداء، ويصف الدواء الشافي بإذن الله. ولذلك نقول: الألم رسول العافية. والحق سبحانه يقول هنا:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٢٦٩٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٢٦٩٩