11.4
أي: إلى الله مرجعكم في الإيجاد والإمداد، والبداية والنهاية، وبداية النهاية التي لا انتهاء معها وهي الآخرة، فيثيب المحسن على إحسانه، ويعاقب المسيء على إساءته، فيؤتي سبحانه لكل ذي عمل صالح في الدنيا أجره، وثوابه في الآخرة. ومن كثرت حسناته على سيئاته دخل الجنة، ومن زادت سيئاته على حسناته دخل النار. وفي الدنيا من زادت حسناته على سيئاته وعاش بين القبض والبسط. والقبض والبسط هو إقبال على الله بتوبة وباعتراف بالذنب، والإقرار بالذنب هو بداية التوبة. ومن كثرت سيئاته على حسناته كان في ضنك العيش وقلق النفس. ويؤتي الحق سبحانه كل ذي فضل فضله، فمن عمل لله عز وجل وفقه الله فيما يستقبل على طاعته، والذين أعرضوا يخاف عليهم من عذاب يوم كبير. ﴿.. وهو على كل شيء قدير ﴾ [هود: 4]. لأنه سبحانه القادر على الإيجاد وعلى الإمداد، وعلى البداية والنهاية المحدودة، وبداية الخلود إما إلى جنة وإما إلى نار، فهو القادر على كل شيء. ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك: ﴿ ألا إنهم يثنون صدورهم ليستخفوا منه... ﴾.
11.5
وإذا وجدت " ألا " في أول الكلام فأنت تعلم أنها للتنبيه، ومعنى التنبيه أنه أمر يوقظ لك السامع إن كان غافلا لأنك تحب ألا تفوته كلمة من الكلام الذي تقوله. وحين تنبهه بغير أداء الأسلوب الذي تريده منه، هنا يكون التنبيه قد أخذ حقه، ومن بعد ذلك يجيء الكلام الذي تقوله، وقد تهيأ ذهن السامع لاستقبال ما تقول. ف " ألا " - إذن - هي أداة تنبيه لأن الكلام ستار بين المتكلم والمخاطب، والمخاطب لا يعرف الموضوع الذي ستكلمه فيه، والمتكلم هو الذي يملك زمام الموقف، وهو يهيىء ذهنه لترتيب ما يقول من كلمات، أما المستمع فسوف يفاجأ بالموضوع وحتى لا يفاجأ ولا تضيع منه الفرصة ليلتقط كلمات المتكلم من أولها، فهو ينبهه بأداة تنبيه ليستمع. ويقول الحق سبحانه هنا: ﴿ ألا إنهم يثنون صدورهم ليستخفوا منه.. ﴾ [هود: 5]. ويقال: ثنيت الشيء أي: طويته، وجعلته جزئين متصلين فوق بعضهما البعض. وحين يثني الإنسان صدره، فهو يثنيه إلى الأمام ناحية بطنه، ويداري بذلك وجهه، والغرض هنا من مداراة الوجه هو إخفاء الملامح لأن انفعال مواجيد النفس البشرية ينضح على الوجوه؟ وهم كارهون للرسول صلى الله عليه وسلم، وحاقدون عليه ولا يريدون أن يلحظ الرسول صلى الله عليه وسلم ما على ملامحهم من انفعالات تفضح مواجيدهم الكارهة. ومثل ذلك جاء من قوم نوح عليه السلام، حين قال الحق سبحانه على لسان نوح:
وإني كلما دعوتهم لتغفر لهم جعلوا أصابعهم في آذانهم واستغشوا ثيابهم وأصروا واستكبروا استكبارا
[نوح: 7]. ومن البداهة أن نعرف أن الإصبع لا تدخل كلها إلى الأذن، إنما الأنملة تسد فقط فتحة السمع، وعدل القرآن الكريم ذلك بمبالغة تكشف موقف نوح - عليه السلام -، فكل منهم أراد أن يدخل إصبعه في أذنه حتى لا يسمع أي دعوة، وهذا دليل كراهية، وهذه شهادة ضدهم لأنهم يفهمون أنهم لو سمعوا فقد تميل قلوبهم لما يقال. ولذلك نجد القرآن الكريم وهو ينقل لنا ما قاله مشركو مكة لبعضهم البعض:
وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه..
[فصلت: 26]. فكأنهم تواصوا بالتشويش على القرآن، ثقة منهم في أن القرآن لو تناهى إلى الأذن فقد يؤثر في نفسية السامع لأن النفس البشرية أغيار، وقد تأتي للنفس ما يجعلها تميل دون أن يشعر صاحبها. ولو كان هذا القرآن باطلا، فلماذا خافوا من سماعه؟ ولكنه الغباء في العناد والكفر. وهنا يقول الحق سبحانه وتعالى: ﴿ ألا إنهم يثنون صدورهم ليستخفوا منه ألا حين يستغشون ثيابهم يعلم ما يسرون وما يعلنون.. ﴾ [هود: 5]. وهم قد استغشوا ثيابهم ليغطوا وجوههم مداراة للانفعالات التي تحملها هذه الوجوه، وهي انفعالات كراهية، أو أنها قد تكون انفعالات أخرى، فساعة يسمع واحد منهم القرآن قد ينفعل لما يسمع، ولا يريد أن يظهر الانفعال.