11.30
وهنا يوضح نوح عليه السلام أنه لا يقدر على مواجهة الله إن طرد هؤلاء الضعاف لأن أحدا لن ينصر نوحا على الله - عز وجل - لحظة الحساب، فهناك يوم لا ملك فيه لأحد إلا الله، ولا أحد يشفع إلا بإذنه سبحانه، ولا أحد بقادر على أن ينصر أحدا على الله تعالى لأنه القاهر فوق كل خلقه، والنصر - كما نعلم - يكون بالغلبة، أما الشفاعة فهي بالخضوع، والحق سبحانه لا يأذن لأحد أن يشفع في طرد مؤمن من حظيرة الإيمان. وفي هذا القول تذكير من نوح عليه السلام لقومه ولذلك قال الحق سبحانه: ﴿.. أفلا تذكرون ﴾ [هود: 30] أي: يجب ألا تأخذكم الغفلة، وتنسيكم ما يجب أن تتذكروه. وكما جاء الحق سبحانه بالتذكر، وهو الأمر الذي بدوامه يبعد الإنسان الغفلة، جاء الحق سبحانه أيضا بالتفكر، وهو التأمل لاستنباط شيء جديد عن طريق إعمال العقل بالتفكر، الذي يجعل الإنسان في تأمل يقوده إلى تقديس وتنزيه الخالق، وبهذا يصل الإنسان إلى الحقائق التي تكشف له معالم الطريق. وجاء الحق - سبحانه - أيضا بالتدبر، أي: ألا يأخذ الإنسان الأمور بظواهرها، أو أن ينخدع بتلك الظواهر، بل لا بد من البحث في حقائق الأشياء. لذلك يقول الحق جل وعلا:
أفلا يتدبرون القرآن..
[النساء: 82]. أي: أفلا يبحثون عن الكنوز الموجودة في المعطيات الخلفية للقرآن. والتدبر هو الذي يكشف المعاني الخفية خلف ظواهر الآيات، والناس يتفاضلون في تعرضهم لأسرار كتاب الله حين ينظرون خلف ظواهر المعاني. ولذلك نجد عبد الله بن مسعود رضي الله عنه يقول: " ثوروا القرآن " أي: قلبوا معاني الآيات لتجدوا ما فيها من كنوز، ولا تأخذوا الآيات بظواهرها، فعجائب القرآن لا تنقضي. ويقول الحق سبحانه وتعالى مواصلا ما جاء على لسان سيدنا نوح: ﴿ ولا أقول لكم عندي خزآئن الله... ﴾.