كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون
[الصف: 3]. لأن الواعظ الذي يعظ بما لا يطبقه على نفسه يعطي الحجة للموعوظ ليرفض الموعظة وليقول لنفسه: " لو كان في هذا الأمر خير لطبقه على نفسه ". وهكذا بينت الآية الكريمة موقف الرسول صلى الله عليه وسلم كمثبت، وأيضا موقف المؤمنين برسالته كمذكرين من الرسول بأنهم سيتعرضون للمتاعب متاعب مشقة التكليف التي سيعاني منها من لا يأخذ التكليف بعمق الفهم. فقد يرى بعض المكلفين - مثلا - أن الأمر بغض الطرف حرمان من شهوة طارئة ولا يسبر غور الفهم بأن في غض الطرف أمرا لكافة المؤمنين أن يغضوا الطرف عن محارمه، وقد يرى في الزكاة أنها أخذ من ماله، ولا يسبر غور الفهم بأن في الزكاة تأمينا له إن مرت عليه الأغيار وصار فقيرا عندئذ سيقدم له المجتمع الإيماني التأمين الاجتماعي الذي يحميه وعياله من مغبة السؤال. وعمق الفهم أمر مطلوب لأن الحق - سبحانه - هو القائل:
أفلا يتدبرون القرآن..
[النساء: 82]. لأنك حين تتدبر المعاني ستعلم أن التكليف هو تشريف لك وستقول لنفسك: " ما كلفني الله إلا لخير نفسي وإن ظهر أنه لخير الناس ". ومن المتاعب أيضا ما يلقاه المؤمنون من عنت المستفيدين من الفساد هؤلاء الذين يعيشون على الانتفاع من المفاسد، ويواجهون كل من يريد أن يقضي على الفساد لأن الفساد في الأرض لا يعيش إلا إذا وجد منتفع بهذا الفساد والمنتفع بالفساد يكره ويعلن الخصومة لكل مقاوم له. إذن: فموقف خصوم النبي صلى الله عليه وسلم موقف طبيعي لصالحهم، ولكنهم - لحمقهم - حددوا الصالح بمصالحهم الآنية في الحياة الدنيا ولم ينظروا إلى عاقبة ما يؤول إليه أمرهم في الآخرة نعيما أو عذابا. ولو أنهم امتلكوا البصيرة لعرفوا أن من مصلحتهم أن يوجد من يقومهم حتى لا يقدموا لأنفسهم شرا يوجد لهم في الآخرة. ولو أنهم فطنوا لعلموا أن الرسول كما جاء لصلاح المستضعفين المستغلين بالفساد جاء أيضا لصالحهم، ولو أنهم كانوا على شيء من التعقل لكانوا من أنصار رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكان من الواجب عليهم كلما حدثتهم أنفسهم بالسعي إلى الفساد وسمعوا من الرسول صلى الله عليه وسلم ما ينتظرهم نتيجة لهذا الفساد أن يتبعوه وأن يشكروه لأنه خلصهم من طاقة الشر الموجودة فيهم. وهنا يوضح الحق - سبحانه - لرسوله: أنت لست بدعا من الرسل، وكل رسول تعرض للمتاعب مثلما تتعرض أنت لمثلها، وأنت الرسول الخاتم، ولأن الدين الذي جئت به لن يأتي بعده دين آخر لذلك لا بد أن تتركز المتاعب كلها معك فكن على ثقة تماما أنك مصادف للمتاعب. ولذلك نثبت فؤادك بما نقصه عليك من أنباء الرسل لأن هذا الفؤاد هو الذي سيستقبل الحقائق الإيمانية من قمة " لا إله إلا الله " إلى أن يكون ذكرى تذكرك والمؤمنين معك.
وهكذا بينت الآية موقف الرسول صلى الله عليه وسلم كمثبت وموقف المؤمنين كمذكرين من الرسول لأنهم سيتعرضون للمتاعب أيضا. ونحن نعرف جميعا ما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم للأنصار حين بايعوه في العقبة على نصرته، وقالوا: إن نحن وفينا بما عاهدناك عليه فماذا يكون لنا؟ ولم يقل لهم صلى الله عليه وسلم: " ستملكون الدنيا، وستصبحون سادة الفرس والروم " ، بل قال لهم:
" لكم الجنة ".
لأنه صلى الله عليه وسلم يعلم أن منهم من سيموت قبل أن تتحقق تلك الانتصارات لذلك وعدهم بالقدر المشترك الذي يتساوى فيه من يموت بعد إعلانه للإيمان، وبين من سيعيش ليشهد تلك الانتصارات. وهكذا تبينا كيف تضمنت الآية الكريمة تثبيت فؤاد الرسول صلى الله عليه وسلم وكيفية إعداد هذا الفؤاد لاستقبال الحق والموعظة وذكرى المؤمنين معه. هذا هو الطرف الأول، فماذا عن الطرف الثاني الطرف المكذب للرسول؟ كان ولا بد أن يتكلم الحق - سبحانه - هنا عن المكذبين للرسول لأن استدعاء المعاني يجعل النفس قابلة للسماع عن الطرف الآخر. وما دام الحق - سبحانه - قد تكلم عن تثبيت وعاء الاستقبال، والموعظة، وتذكير المؤمنين لحظة أن تخور منهم العزائم، فلا بد - إذن - أن يتكلم - سبحانه - عن القسم الآخر وهو القسم المكذب، فيوضح - سبحانه - لرسوله أن له أن يتحداهم ولا يتهيب. يقول الحق - سبحانه: ﴿ وقل للذين لا يؤمنون اعملوا... ﴾.