11.76
وقول الملائكة: ﴿ يإبرهيم أعرض عن هذآ.. ﴾ [هود: 76]. يعني إبلاغ إبراهيم أن مسألة تعذيب من لم يؤمن من قوم لوط أمر منته ومحسوم، فهم قد جاءوا لينفذوا، لا ليهددوا وأبلغوا إبراهيم: ﴿ إنه قد جآء أمر ربك.. ﴾ [هود: 76]. وإذا ما كان الأمر قد جاء من الله، فإبراهيم عليه السلام لأنه ﴿ منيب ﴾ يعلم أن أي أمر من الله تعالى لا بد أن ينفذ، فلا بد أن يتقبل - أمر الحق سبحانه: ﴿.. وإنهم آتيهم عذاب غير مردود ﴾ [هود: 76]. أي: لا أحد بقادر على أن يرد عذاب الله. وكما أن هناك وعدا من الله تعالى غير مكذوب، فهناك أيضا عذاب غير مردود. ويروى أن إبراهيم عليه السلام في جداله قال للملائكة: إذا كان في قوم لوط خمسون قد آمنوا بالله تعالى، أتعذبونهم؟ قالوا: لا. قال: وإن كان فيهم عشرة يؤمنون بالله، أتعذبونهم؟ قالوا: لا. قال وإن كان فيهم واحد هو لوط؟ فردت الملائكة:
نحن أعلم بمن فيها لننجينه وأهله إلا امرأته..
[العنكبوت: 32]. وانتهى الجدال، وذهبت الملائكة إلى مهمتها التي هي إيقاع العذاب بقوم لوط. ويقول الحق سبحانه: ﴿ ولما جآءت رسلنا لوطا سيء بهم... ﴾.
11.77
أي: أن لوطا شعر بالسوء، وضاق بهم ذرعا، والذرع مأخوذ من الذراع التي فيها الكف والأصابع وندفع بها الأشياء، وأي شيء تستطيع أن تمد إليه ذراعك لتدفع به، وإن لم تطله ذراعك قلت: " ضقت به ذرعا " أي: أن يدي لم تطله، وهو أمر فوق قوتي وطاقتي، وفوق ما آتاني الله من الآلات ومن الحيل. وما الذي يسيء لوطا في مجيء الملائكة؟ قيل: لأن الملائكة قد جاءوا على الشكل المعروف من الجمال، فحين يقال: " فلان ملاك " ، أي: شكله جميل. ولوط - عليه السلام - يعلم أن آفة قومه هي إتيان الذكور، وامرأته تعلم هذه الآفة، لكن موقفها من ذلك غير موقف لوط، فهي ترحب بتلك الآفة. ويقال: إنها تنبهت لمجيء الرجال الحسان - ولم تعرف أنهم ملائكة العذاب - وصعدت إلى سطح المنزل، وصفقت لعل القوم ينتبهون لها، فلم يلتفت لها أحد، فأشعلت نارا فانتبه لها القوم، وأشارت لهم بما يعبر عن مجيء ضيوف يتميزون بالجمال. وهنا قال لوط عليه السلام: ﴿.. هذا يوم عصيب ﴾ [هود: 77]. أي: يوم شديد المتاعب. ويقال: " يوم عصيب " و " يوم عصبصب " ، ومنه " العصبة " وهم جماعة يتكاتفون على شيء، ويقوى الفرد بمجموعهم، وقد صدق ظن لوط. وفي هذا يقول الحق سبحانه عن ذلك: ﴿ وجآءه قومه يهرعون إليه ومن قبل كانوا يعملون... ﴾.