11.40
وكلمة ﴿ حتى ﴾ تدل على الغاية وكلمة ﴿ أمرنا ﴾ تدل على الطوفان، ثم الأمر من الحق سبحانه بأن يحمل فيها من كل زوجين اثنين، ومن آمن معه وكانوا قلة قليلة. إذن: ففي قصة نوح عليه السلام أكثر من مرحلة، أمر من الله تعالى بقوله:
واصنع الفلك..
[هود: 37]. وعمل من نوح عليه السلام بأن يصنع، وقد استغرق هذا الفعل وقتا طويلا من نوح عليه السلام إلى أن جاء أمر الطوفان الذي يدل عليه قول الحق سبحانه: ﴿ وفار التنور.. ﴾ [هود: 40]. ومعنى كلمة ﴿ فار ﴾ أي: أن الماء قد وصل إلى درجة الغليان. فالماء يحتوي على هواء بدليل أن السمك يتنفس من الماء، وحين نغلي الماء نرى فقاقيع الهواء وهي تخرج من الماء، ثم يثقل الماء إلى أن تشتد سخونة الغليان، فيفور الماء منثورا خارج إناء الغليان. و " التنور " هو المكان الذي تتم فيه عملية الخبز، وخروج الماء من التنور هو علامة مميزة يعلمها نوح عليه السلام ليحمل من يريد نجاتهم، من المؤمنين، ومن متاع الدنيا كله. وكانت العلامة هي خروج الماء من غير مظانه وهو التنور. واختلف العلماء في تفسير كلمة " التنور " فمنهم من قال: إن التنور هو المكان الذي كان آدم عليه السلام يخبز فيه، أو هو المكان الذي كانت تعمل فيه حواء، أو هو بيت نوح، أو هو بيت سيدة عجوز. وكل تلك التفسيرات لا تفيد ولا تضر، المهم أن فوران التنور كان علامة بين نوح عليه السلام وربه، وأنه إذا ما فار التنور فعلى نوح أن يحمل من كل زوجين اثنين. وقول الحق سبحانه: ﴿ احمل فيها من كل زوجين اثنين.. ﴾ [هود: 40]. تعني: أن يحمل من كل الكائنات، وتدل على ذلك كلمة ﴿ كل ﴾ المنونة - وتفيد التعميم - أي: احمل في السفينة من كل شيء، تطلبه حياة الناجين من جميع أصناف النباتات والحيوانات، حتى الخنزير كان ضمن ما حمله نوح عليه السلام. والذين يقولون إن تحريم الخنزير جاء لأن نوحا عليه السلام لم يحمله معه، لم يفطنوا إلى أهمية الخنزير كحيوان يأكل القاذورات وينظف الأرض منها لأن كل كائن له مهمة، وليست مهمة الكائنات فقط أن يأكلها الإنسان. وكلمة: ﴿ زوجين اثنين.. ﴾ [هود: 40]. تدل على أن كلمة " زوج " هي مفرد بدليل قول الحق سبحانه:
وخلق منها زوجها..
[النساء: 1]. إذن: كلمة " زوج " تعني مفرد معه مثله، كزوج من الأحذية مثلا. أقول ذلك حتى لا نأخذ كلمة " الزوج " على أنها اثنان ولذلك نجد الحق سبحانه يقول في آية أخرى:
ثمانية أزواج من الضأن اثنين ومن المعز اثنين قل ءآلذكرين حرم أم الأنثيين أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين نبئوني بعلم إن كنتم صادقين * ومن الإبل اثنين ومن البقر اثنين..
[الأنعام: 143-144]. وحين نجمع العدد سنجده ثمانية، ولو كانت كلمة " زوج " تطلق على الاثنين لصار العدد في تلك الآية الكريمة ستة عشر. ويوضح القرآن الكريم أن كلمة " زوج " مفرد في قول الحق سبحانه:
ألم يك نطفة من مني يمنى * ثم كان علقة فخلق فسوى * فجعل منه الزوجين الذكر والأنثى
[القيامة: 37-39]. إذن: فالذكر زوج، والأنثى زوج أيضا. وواصل نوح عليه السلام تنفيذ أمر الحق سبحانه: ﴿.. احمل فيها من كل زوجين اثنين وأهلك إلا من سبق عليه القول ومن آمن ومآ آمن معه إلا قليل ﴾ [هود: 40]. وهكذا شاء الحق سبحانه أن يستبقي الحياة بنجاة كل ما تحتاجه الحياة بالسفينة، ويقال: إنهم عاشوا في تلك السفينة عامين. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: ﴿ وقال اركبوا فيها بسم الله مجريها ومرساها... ﴾.