11.104
وهكذا نعلم أن تأخر مجيء يوم القيامة لا يعني أنه لن يأتي بل سوف يأتي - لا محالة - ولكن لكل حدث ميعاد ميلاد، ولكم في تتابع مواليدكم ما يجعلكم تثقون بأن مواليد الأحداث إنما يحددها الله. وقول الحق سبحانه: ﴿ وما نؤخره إلا لأجل.. ﴾ [هود: 104]. يتطلب أن نعرف أن كلمة " الأجل " تطلق مرة على مدة عمر الكائن من لحظة ميلاده إلى لحظة نهايته. والحق سبحانه يقول:
.. لكل أجل كتاب
[الرعد: 38]. وتطلق كلمة " الأجل " مرة أخرى على لحظة النهاية وحدها، مصداقا لقول الحق سبحانه:
.. فإذا جآء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون
[الأعراف: 34]. ولنعرف جميعا أن كل أجل - وإن طال - فهو معدود، وكل معدود قليل مهما بدا كثيرا لذلك فلنقل أن كل معدود قليل. ما دمنا قادرين على إحصائه. ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك: ﴿ يوم يأت لا تكلم نفس إلا بإذنه... ﴾.
11.105
وهنا جمع الحق سبحانه جماعة في حكم واحد، فقوله تعالى: ﴿ لا تكلم نفس.. ﴾ [هود: 105]. يعني: لا تتكلم أي نفس إلا بإذن الله، وقد كانوا يتكلمون في الحياة الدنيا بطلاقة القدرة التي منحهم إياها الله سبحانه حين أخضع لهم جوارحهم. وجعل الحق سبحانه الجوارح مؤتمرة بأمر الإنسان وشاء سبحانه أن يجعل بعضا من خلقه نماذج لقدرته على سلب بعض تلك الجوارح فتجد الأخرس الذي لا يستطيع الكلام وتجد المشلول الذي لا يستطيع الحركة وتجد الأعمى الذي لا يبصر، وغير ذلك.. وبتلك النماذج يتعرف البشر على حقيقة واضحة هي أن ما يتمتعون به من سيطرة على جوارحهم هو أمر موهوب لهم من الله تعالى وليست مسألة ذاتية فيهم. وقول الحق سبحانه: ﴿ يوم يأت لا تكلم نفس إلا بإذنه.. ﴾ [هود: 105]. يبين لنا سبحانه حقيقة تسخير الجوارح لطاعتنا في الدنيا، فهي ترضخ لإرادتنا لأنه سبحانه شاء أن يسخرها لأوامرنا ولانفعالاتنا، ولا أحد فينا يتكلم إلا في إطار الإذن العام للإرادة أن تنفعل لها الجوارح. وقد يسلب الله سبحانه هذا الإذن فلا تنفعل الجوارح للإرادة، فتجد الحق سبحانه يقول في آية أخرى:
لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال صوابا
[النبأ: 38]. ويقول الحق عز وجل في آية أخرى:
وأقبل بعضهم على بعض يتسآءلون
[الصافات: 27]. وهناك آية أخرى يقول فيها الحق سبحانه:
هذا يوم لا ينطقون * ولا يؤذن لهم فيعتذرون
[المرسلات: 35-36]. ويقول الحق سبحانه أيضا:
يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها..
[النحل: 111]. وفي موضع آخر يقول سبحانه:
وقفوهم إنهم مسئولون
[الصافات: 24]. وهكذا قد يخيل للبعض أن هناك آيات تناقض بعضها فهناك آيات تسمح بالكلام، وهناك آيات تنفي القدرة على الكلام. وأقول: يجب أن نفهم أن الكلام الذي سيعجز الأشقياء عن نطقه يوم القيامة هو الكلام المجدي النافع، وسيتكلم البعض كلام السفسطة الذي لا يفيد، مثل لومهم بعضهم البعض وذكره لنا القرآن في قوله سبحانه:
وقال الذين كفروا ربنآ أرنا الذين أضلانا من الجن والإنس نجعلهما تحت أقدامنا..
[فصلت: 29]. وهذا كلام لا يشفع لصاحبه ولا يجدي. إذن: فالممنوع هو الكلام المجدي المفيد، أو أن مقامات القيامة متفاوتة فوقت يتكلمون فيه ووقت يؤخذون فيه، فينبهرون ولا يتكلمون، ويأمر الحق سبحانه الجوارح المنفعلة أن تتكلم وتشهد عليهم. ويقسم الحق سبحانه أحوال الناس قسمين، كما في قوله تعالى في آخر الآية: ﴿.. فمنهم شقي وسعيد ﴾ [هود: 105]. وجاء بالاسم المحدد لكل من القسمين: " شقي " و " سعيد " لأن الاسم يدل على الثبوت، فالشقاء ثابت لمن نعت بالشقي والسعادة ثابتة لمن نعت بالسعيد. ثم يبين لنا الحق سبحانه منازل من شقوا، ومنازل من سعدوا ولذلك يعدل عن استخدام الاسم إلى استخدام الفعل، فيقول سبحانه: ﴿ فأما الذين شقوا ففي النار... ﴾.