تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

11.50

يفتتح الحق سبحانه الآية بتحنينهم ومؤانستهم بالمرسل إليهم، فيخبرهم أنه أخوهم، ولا يمكن للأخ أن يريد لهم العنت، بل هو ناصح، مأمون عليهم، وعلى ما يبلغهم به. وحين يقول لهم: ﴿ يقوم.. ﴾ [هود: 50]. فهذا للإيناس أيضا. ثم يدعوهم إلى عبادة الله تعالى وحده لأنهم اتخذوا غير الله إلها، وهذا قمة الافتراء. والله سبحانه لم يقل: ﴿.. إن أنتم إلا مفترون ﴾ [هود: 50]. إلا لأن الفساد قد طم. ويقول سبحانه بعد ذلك ما جاء على لسان هود: ﴿ يقوم لا أسألكم عليه أجرا... ﴾.

11.51

وكأن هودا عليه السلام يقول لهم: ما الذي يشق عليكم فيما آمركم به وأدعوكم إليه، إنني أقدم لكم هذا البلاغ من الله تعالى، ولا أسألكم عليه أجرا، فليس من المعقول أن أنقلكم مما ألفتم، ثم آخذ منكم مالا مقابل ذلك، ولا يمكن أن أجمع عليكم مشقة ترك ما تعودتم عليه وكذلك أجر تلك الدعوة. وما دمت لن آخذ منكم أجرا، إذن: فلا مشقة أكلفكم بها، كما أنني في غنى عن ذلك الأجر لأن أجري على من أرسلني. ﴿.. إن أجري إلا على الذي فطرني أفلا تعقلون ﴾ [هود: 51]. أي: أن أجري على من خلقني معدا لهذه الرسالة لأن الفطرة تعني التكوين الأساسي للإنسان. والحق سبحانه قد أعد هودا عليه السلام ليكون رسولا، ونحن نعلم - أيضا أن الأجر يكون عادة مقابلا للمنفعة. وسبق أن ضربنا المثل بمن يشتري بيتا، فهو يدفع ثمن البيت لصاحبه، وتسمى هذه العملية بيعا وشراء. أما إذا استأجر الإنسان بيتا فهو يدفع إيجارا مقابل انتفاعه بالسكن فيه. وقول هود عليه السلام: ﴿ لا أسألكم عليه أجرا.. ﴾ [هود: 51]. يفيد أنه كان من الواجب أن يدفعوا أجرا كبيرا مقابل منفعتهم بما يدعوهم إليه لأن الأجر الذي تدفعونه في المستأجرات العامة لكم إنما يكون مقابلا لمنافع موقوتة، لكن ما يقدمه لهم هود عليه السلام هو منفعة غير موقوتة! ولذلك ترك هود عليه السلام الأجر لمن يقدر عليه، وهو الله سبحانه وتعالى. فهو القادر على كل شيء. وقد أوضحنا من قبل أن كل مواكب الرسل جاءت بهذه العبارة: ﴿ لا أسألكم عليه أجرا.. ﴾ [هود: 51]. إلا إبراهيم وموسى عليهما السلام فسيدنا إبراهيم لم يقلها بسبب أبيه، وسيدنا موسى لم يقلها لأن فرعون قال له:

ألم نربك فينا وليدا..

[الشعراء: 18]. إذن: كان يجب على قوم هود أن يعقلوا الفائدة الجمة، وهي المنهج الرسالي الذي جاء به هود عليه السلام. ثم يقول الحق سبحانه ما جاء على لسان هود عليه السلام مخاطبا قومه: ﴿ ويقوم استغفروا ربكم... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٢٦١٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٢٦١٧