ولكن على المؤمن أن يعلن لهم منهج الله فإن أقبلوا عليه ففي ذلك سعادتهم، وإن لم يقبلوا فعلى المؤمنين أن يكتفوا من هؤلاء الكافرين بعدم معارضة المنهج الإيماني. ولذلك نجد - في البلاد التي فتحها الإسلام - أناسا بقوا على دينهم لأن الإسلام لم يدخل أي بلد لحمل الناس على أن يكونوا مسلمين، بل جاء الإسلام بالدليل المقنع مع القوة التي تحمي حق الإنسان في اختيار عقيدته. يقول الله جل علاه:
لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين
[الممتحنة: 8]. فإذا كانت بعض المجتمعات غير مؤمنة بالله، ومصلحة فالحق سبحانه لا يهلكها بل يعطيهم ما يستحقونه في الحياة الدنيا لأنه سبحانه القائل:
من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في الآخرة من نصيب
[الشورى: 20]. ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك: ﴿ ولو شآء ربك لجعل الناس أمة واحدة... ﴾.
11.118
ونحن نعلم أن الإنسان قد طرأ على هذا الكون بعد أن خلق الله - سبحانه - في هذا الكون كل مقومات الحياة المسخرة بأمر الله لهذا الإنسان ليمارس مهمة الخلافة في الأرض ولم تتأب تلك الكائنات على خدمة الإنسان، سواء أكان مؤمنا أم كافرا لأن الحق - سبحانه - هو الذي استدعى الإنسان إلى الوجود، وما دام قد استدعاه فهو - سبحانه - لن يضن عليه بمقومات هذا الوجود من بقاء حياة، وبقاء نوع. وهذا هو عطاء الربوبية الذي كفله الله - سبحانه - لكل البشر: مؤمنهم وكافرهم، وهو عطاء يختلف عن عطاء الألوهية المتمثل في المنهج الإيماني: " افعل " و " لا تفعل ". ومن يأخذ عطاء الألوهية مع عطاء الربوبية فهو من سعداء الدنيا والآخرة. إذن: فقدرة الله - سبحانه - قد أرغمت الكون - دون الإنسان - أن يؤدي مهمته، وكان من الممكن أن يجعل البشر أمة واحدة مهتدية لا تخرج عن نظام أراده الله - سبحانه وتعالى - كما لم تخرج الشمس أو القمر أو الهواء أو أي من الكائنات الأخرى المسخرة عن إرادته. لأن الحق - تبارك وتعالى - أثبت لنفسه طلاقة القدرة في تسخير أجناس لمراده بحيث لا تخرج عنه، وذلك يثبت لله - سبحانه - القدرة ولا يثبت له المحبوبية. أما الذي يثبت له المحبوبية فهو أن يخلق خلقا ويعطيهم في تكوينهم اختيارا. ويجعل هذا الاختيار كل واحد فيهم صالحا أن يطيع، وصالحا أن يعصي، فلا يذهب إلى الإيمان والطاعة إلا لمحبوبية الله - تعالى. وهكذا نعلم أن الكون المسخر المقهور قد كشف لنا سيال القدرة، والجنس الذي وهبه الله الاختيار إن أطاع فهو يكشف لنا سيال المحبوبية. والحق - سبحانه - هو القائل:
فمن شآء فليؤمن ومن شآء فليكفر..
[الكهف: 29]. ولكن أيترك الإنسان حتى يأتي له الغرور في أنه يملك الاختيار دائما؟ لا.. فمع كونك مختارا إياك أن تغتر بهذا الاختيار لأن في طيك قهرا، وما دام في طيك قهر فعليك أن تتأدب ولا تتوهم أنك مختار في أن تؤمن بالله أو لا تؤمن ولا تتوهم أنك منفلت من قبضة الله - تعالى - فهو يملك زمامك في القهريات التي تحفظ لك حياتك مثل: الحيوان والنبات والجماد، ولكنه - سبحانه - ميزك بالعقل. وخطأ الإنسان دائما أنه قد يعطي الأسماء معاني ضد مسمياتها، فكلمة " العقل " مأخوذة من " عقل " وتعني: " ربط " فلا تجمح بعقلك في غير المطلوب منه لأن مهمة العقل أن يكبح جماحك. وتذكر دائما: في قبضة من أنت وفي زمام من أنت وفي أي الأمور أنت مقهور؟ وما دمت مقهورا في أشياء فاختر أن تكون مقهورا لمنهج الله سبحانه واحفظ أدبك مع الله، واعلم أنه قد وهبك كل وجودك سواء ما أنت مختار فيه أو مقهور عليه.
وانظر إلى من سلبهم الحق - سبحانه - بعض ما كانوا يظنون أنها أمور ذاتية فيهم، فتجد من كان يحرك قدمه غير قادر على تحريكها، أو يحاول أن يرفع يده فلا يستطيع. ولو كانت مثل هذه الأمور ذاتية في الإنسان لما عصته، وهذا دليل على أنها أمور موهوبة من الله، وإن شاء أخذها، فهو - سبحانه - يأخذها ليؤدب صاحبها. وما دام الإنسان بهذا الشكل، فليقل لنفسه: إياك أن تغتر بأن الله جعل فيك زاوية اختيار، وتذكر أنك على أساس من هذه الزاوية تتلقى التكليف من الله ب " افعل " ، و " لا تفعل " لأن معنى " افعل كذا ": أنك صالح ألا تفعل ومعنى " لا تفعل كذا ": أنك صالح أن تفعل لأن لديك منطقة اختيار ولكن لديك في زواياك الأخرى منطقة قهر وتسخير، فتأدب في منطقة الاختيار، كما تأدبت في منطقة الاضطرار والقهر. وقد وصف الحق - سبحانه - الإنسان بأنه كنود، قال تعالى: