تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

11.74

والجدل هو أن تأخذ حجة من مقابل وتعطيه حجة لتصل إلى حق. والجدل يختلف عن المراء فالمراء يعني أنك تعرف الحقيقة وتجادل بالباطل لأنك لا تريد أن تصل إلى الحق. وقد نهانا الحق سبحانه عن المراء، وأمرنا بأن نجادل بشرط أن يكون الجدال بالتي هي أحسن. وهنا يبين لنا الحق سبحانه أن إبراهيم بعد أن ذهب عنه الروع وجاءته البشرى بأن الله تعالى سيرزقه بغلام، وعلم إبراهيم من الملائكة أنهم ذاهبون لتعذيب قوم لوط:

قالوا إنآ أرسلنآ إلى قوم مجرمين * لنرسل عليهم حجارة من طين * مسومة عند ربك..

[الذاريات: 32-34]. ومجادلة سيدنا إبراهيم في عقاب قوم لوط، لم تكن ردا لأمر الله، ولكن طلبا للإمهال لعلهم يؤمنون ذلك أن قلب إبراهيم عليه السلام قلب رحيم. ولذلك يأتي الحق سبحانه بالعلة في المجادلة في قوله تعالى: ﴿ إن إبراهيم لحليم أواه... ﴾.

11.75

إذن: فالعلة في الجدال أنه حليم لا يعجل بالعقوبة، وأواه أي: يتأوه من القلب، والتأوه رقة في القلب، وإن كان التأوه من الأعلى فهذا يعني الخوف من ألا يكون قد أدى حق الله تعالى، وإن كان التأوه للأقل فهو رحمة ورأفة. ولذلك فقد طلب إبراهيم عليه السلام من الله تعالى تأجيل العذاب لقوم لوط لعلهم يؤمنون، وتأوهه هنا لله تعالى، وعلى هؤلاء الجهلة بما ينتظرهم من عذاب أليم. وقال الحق سبحانه في صفات إبراهيم أنه " منيب " أي: يرجع إلى الحكم وإلى الحق في قضاياه. ألم يقل الحق سبحانه في موضع آخر من كتابه العزيز:

وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدهآ إياه..

[التوبة: 114]. وبعد أن بحث إبراهيم عليه السلام عن الحق، وأناب إليه، يبين لنا الله سبحانه وتعالى مظهرية الإنابة في قوله تعالى:

فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه..

[التوبة: 114]. وهنا في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها والتي أوضحت تأوه إبراهيم لله عز وجل وتأوهه رحمة بهؤلاء الذين لم يؤمنوا، وهم قوم لوط، وأيضا كانت حجة إبراهيم - عليه السلام - في الجدال ما قاله الحق سبحانه في سورة العنكبوت:

ولما جآءت رسلنآ إبراهيم بالبشرى قالوا إنا مهلكوا أهل هذه القرية إن أهلها كانوا ظالمين * قال إن فيها لوطا..

[العنكبوت: 31-32]. وكان سؤال إبراهيم للملائكة: كيف تهلكون أهل هذه القرية وفيهم من هو يؤمن بالله وعلى رأسهم نبي من الله هو لوط عليه السلام، وردت عليه الملائكة:

.. نحن أعلم بمن فيها لننجينه وأهله إلا امرأته كانت من الغابرين

[العنكبوت: 32]. وكأن إبراهيم خليل الرحمن يعلم أن وجود مؤمنين مع الكافرين في قرية واحدة، يبيح له الجدال عن أهل القرية جميعا. ويتلقى إبراهيم الرد هنا في سورة هود في الآية التالية: ﴿ يإبرهيم أعرض عن هذآ... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٢٦٤٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٢٦٤٢