ولا يزالون مختلفين * إلا من رحم ربك..
[هود: 118-119]. وأنت إن دققت النظر في الاختلاف لوجدته عين الوفاق. ومثال ذلك: اختلاف أبنائك فيما يحبونه من ألوان الطعام، فتجد ابنا يفضل صدر الدجاجة، وآخر يفضل الجزء الأسفل منها " الورك " ، وتضحك أنت لهذا الاختلاف، لأنه اختلاف في ظاهر الأمر، ولكن باطنه وفاق، لو اتفقنا جميعا في الأمزجة لوجدنا التعاند والتعارض وهذا ما ينتشر بين أبناء المهنة الواحدة. ولمن يسأل: هل الخلق للاختلاف أم الخلق للرحمة؟ نقول: إن الخلق للاختلاف والرحمة معا، لأن الجهة منفكة. ثم يقول - سبحانه - في نفس الآية: ﴿.. وتمت كلمة ربك لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين ﴾ [هود: 119]. والحق سبحانه قد علم أزلا بمن يختار الإيمان ومن يختار الكفر، وهذا من صفات العلم الأزلي لله - سبحانه وتعالى - ولذلك قال - سبحانه: ﴿ وتمت كلمة ربك ﴾ أي: علم - سبحانه - من من عباده سيختار أن يعمل في الدنيا عمل أهل النار، ومن سيختار أن يعمل عمل أهل الجنة لسبق علمه الأزلي بمرادات عباده واختياراتهم. وسبق أن ضربنا مثلا - ولله المثل الأعلى - بعميد الكلية الذي يعلن للأساتذة ضرورة ترشيح المتفوقين في كل قسم لأن هناك جوائز في انتظارهم، فيرشح كل أستاذ أسماء المتفوقين الذين لمس فيهم النبوغ والإخلاص للعلم، ويطلب العميد من أساتذة من خارج جامعته أن يضعوا امتحانات مفاجئة لمجموع الطلاب ويفاجأ العميد بتفوق الطلبة الذين لمس فيهم أساتذتهم النبوغ والإخلاص للعلم، وهنا يتحقق العميد من صدق تنبؤ الأساتذة الذين يعملون تحت قيادته.
ولكن قد تحدث مفاجأة: أن يتخلف واحد من هؤلاء الطلبة لمرض أصابه أو طارىء يطرأ عليه من تعب أعصاب أو إرهاق أو غير ذلك وبهذا يختل تقدير أستاذه لكن تقدير الحق - سبحانه - منزه عن الخطأ، وما علمه أزلا فهو محقق لا محالة لذلك بين لنا أنه علم أزلي، ويتحدى الكافر به أن يغيره. وكلنا يعرف أن الحق - سبحانه - أنزل قوله الكريم:
تبت يدآ أبي لهب وتب
[المسد: 1]. وسمعها أبو لهب ولم يتحدها بإعلان الإيمان - ولو نفاقا. وقول الحق: ﴿ وتمت كلمة ربك ﴾ تبين لنا أن الحق - سبحانه - إن قال شيئا فهو قد تم بالفعل فلا راد لمشيئته، أما نحن فعلينا أن نسبق كل وعد بعمل سنقوم به بقول:
إلا أن يشآء الله..
[الكهف: 24]. لأن الحق يقول لنا:
ولا تقولن لشاىء إني فاعل ذلك غدا * إلا أن يشآء الله..
[الكهف: 23-24]. وفي هذا احترام لوضعنا البشري، وإيمان بغلبة القهر، ومعرفة لحقيقة أننا من الأغيار لأن كل حدث من الأحداث يتطلب فاعلا ومفعولا يقع عليه الفعل ومكانا وزمانا وسببا ولا أحد منا يملك أي واحد من تلك العناصر. فإن قلت: ﴿ إلا أن يشآء الله ﴾ تكون قد عصمت نفسك من أن تكون كاذبا، أو أن تعد بما لا تستطيع، لكن إذا كان من يقول هو مالك كل شيء، ولا قوة تخرجه عما قال، فهو وحده القادر على أن ينفذ ما يقول. ولذلك قلنا: إن كل فعل ينسب إلى الله - تعالى - يتجرد عن الزمن فلا نقول: " فعل ماض " أو " فعل سيحدث في المستقبل " أو " فعل مضارع " لأن تلك الأمور إنما تقاس بها أفعال البشر، لكن أفعال الله - سبحانه - لا تقاس بنفس المقياس، فسبحانه حين يقرر أمرا فنحن نأخذه على أساس أنه قد وقع بالفعل. والحق - سبحانه - يقول:
أتى أمر الله فلا تستعجلوه..
[النحل: 1]. وقوله سبحانه: ﴿ أتى ﴾ بمعنى: تقرر الأمر ولم ينفذ - بعد - فلا تتعجلوه وهذا هو تحدي القيومية القاهرة، ولا توجد قوة قادرة على أن تمنع وقوع أمر شاءه الله - سبحانه وتعالى - فهو يحكم فيما يملك، ولا منازع له سبحانه. وقوله الحق: ﴿ لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين.. ﴾ [هود: 119]. فسببه أن الإنس والجن هما الثقلان المكلفان. ويقول الحق - سبحانه - بعد ذلك: ﴿ وكلا نقص عليك من أنباء الرسل... ﴾.