تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

11.114

وهذا أمر بالخير يوجهه الله سبحانه إلى رسوله صلى الله عليه وسلم. ونحن نلحظ في هذه الآيات من سورة هود أنها تحمل أوامر ونواهي الأوامر بالخير دائما والنواهي عن الشر دائما. ونلحظ أن الحق سبحانه قال:

فاستقم كمآ أمرت ومن تاب معك..

[هود: 112]. ثم وجه النهي للأمة كلها:

ولا تطغوا..

[هود: 112] ولم يقل: " فاستقم ولا تطغى " لأن الأمر بالخير يأتي للنبي صلى الله عليه وسلم وأمته معه وفي النهي عن الشر يكون الخطاب موجها إلى الأمة، وفي هذا تأكيد لرفعة مكانة النبي صلى الله عليه وسلم. ونرى نفس الأمر حين يوجه الحق سبحانه الحديث إلى أمة محمد صلى الله عليه وسلم فيقول سبحانه وتعالى:

ولا تركنوا إلى الذين ظلموا..

[هود: 113]. ولم يقل: " ولا تركن إلى الذين ظلموا ". وهنا في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها يقول الحق سبحانه لرسوله صلى الله عليه وسلم ولأمته: ﴿ وأقم الصلاة.. ﴾ [هود: 114]. والإقامة تعني: أداء المطلوب على الوجه الأكمل، مثل إقامة البنيان وأن تجعله مؤديا للغرض المطلوب منه. ويقال: " أقام الشيء " أي: جعله قائما على الأمر الذي يؤدي به مهمته. وقول الحق سبحانه: ﴿ وأقم الصلاة طرفي النهار.. ﴾ [هود: 114]. أي: نهايته من ناحية، ونهايته من الناحية الأخرى لأن طرف الشيء هو نهايته. وتتحدد نهاية الطرفين من منطقة وسط الشيء، فالوسط هو الفاصل بين الطرفين فما على يمين الوسط يعد طرفا وما على يسار الوسط يعد طرفا آخر وكل جزء بعد الوسط طرف. وعادة ما يعد الوسط هو نقطة المنتصف تماما، وما على يمينها يقسم إلى عشرة أجزاء، وما على يسارها يقسم إلى عشرة أجزاء أخرى، وكل قسم بين تلك الأجزاء التي على اليمين و التي على اليسار يعد طرفا. وقول الحق سبحانه: ﴿ وأقم الصلاة طرفي النهار.. ﴾ [هود: 114]. يقتضي أن تعرف أن النهار عندنا إنما نتعرف عليه من بواكير الفجر الصادق، وهذا هو أول طرف نقيم فيه صلاة الفجر، ثم يأتي الظهر فإن وقع الظهر قبل الزوال حسبناه من منطقة ما قبل الوسط، وإن كان بعد الزوال حسبناه من منطقة ما بعد الوسط. وبعد الظهر هناك العصر، وهو طرف آخر. وقول الحق سبحانه: ﴿ وزلفا من اليل.. ﴾ [هود: 114]. يقتضي منا أن نفهم أن كلمة ﴿ زلفا ﴾ هي جمع زلفة، وهي مأخوذة من: أزلفه، إذا قربه. والجمع أقله ثلاثة ونحن نعلم أن لنا في الليل صلاة المغرب، وصلاة العشاء، ولذلك نجد الإمام أبا حنيفة يعتبر الوتر واجبا، فقال: إن صلاة العشاء فرض، وصلاة الوتر واجب وهناك فرق بين الفرض والواجب.

ويقول الحق سبحانه بعد ذلك مباشرة: ﴿ إن الحسنات يذهبن السيئات.. ﴾ [هود: 114]. وهذا التعقيب يضع الصلاة في قمة الحسنات، وقد أوضح رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا بأن قال:

" الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة كفارة لما بينهن ما لم تغش الكبائر ".

واختلف العلماء في معنى السيئات والحسنات، وقال بعضهم: الحسنة هي ما جعل الله سبحانه على عملها ثوابا، والسيئة هي ما جعل الله على عملها عقابا. وأول الحسنات في الإيمان أن تشهد أن لا إله إلا الله، وهذه حسنة أذهبت الكفر لأن الحسنات يذهبن السيئات. ولذلك قال بعض العلماء: إن المسلم الذي ارتكب معصية أو كبيرة من الكبائر، لا يخلد في النار لأنه إذا كانت حسنة الإيمان قد أذهبت سيئة الكفر، أفلا تذهب ما دون الكفر؟. وهكذا يخفف العقاب على المسلم فينال عقابه من النار، ولكنه لا يخلد فيها لأننا لا يمكن أن نساوي بين من آمن بالله ومن لم يؤمن بالله. والإيمان بالله هو أكبر حسنة، وهذه الحسنة تذهب الكفر، ومن باب أولى أن تذهب ما دون الكفر. وتساءل بعض العلماء: هل الفرائض هي الحسنات التي تذهب السيئات؟ وأجاب بعضهم: هناك أحاديث صحيحة قد وردت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عن حسنات في غير الفرائض، ألم يقل رسول الله صلى الله عليه وسلم

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٢٦٨٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٢٦٨٨