تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

11.31

وهكذا يسد نوح - عليه السلام - على هذا الملأ الكافر كل أسباب إعراضهم عن الإيمان، فإن ظنوا أن الإيمان يتطلب ثراء، فنوح لا يملك خزائن الله، وهو لا يملك أكثر من هذا الملأ، وإن طلبوا أن يكشف لهم الغيب، فالغيب علمه عند الله تعالى وحده. ولم يدع نوح أنه من جنس آخر غير البشر، إنما هو بشر مثلهم، لا يملك ما يجبرهم به على الطاعة، ثراء، أو جاها، أو علم غيب. ولن يطرد نوح عليه السلام من آمن من الضعاف الذين تزدريهم وتحتقرهم وتتهكم عليهم عيون هذا الملأ الكافر لأن نوحا يخشى سؤال الله - عز وجل - له إن سد في وجوه الضعاف أبواب الإيمان. ولا بد من وقفة هنا عند قول الحق سبحانه: ﴿ ولا أقول لكم عندي خزآئن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول إني ملك ولا أقول للذين تزدري أعينكم لن يؤتيهم الله خيرا.. ﴾ [هود: 31]. ونلاحظ هنا أن الخطاب قد حول إلى الغيبة، فلم يخاطب نوح عليه السلام الضعاف ويقول لهم: إن الله سيمنع عنكم الخير، ذلك لأن الله سبحانه وتعالى هو العليم بما في نفوسهم، ولو قال نوح لهم مثل هذا القول لكان من الظالمين. واللام في كلمة ﴿ للذين ﴾ تعني الحديث عن الضعاف، لا حديثا إلى الضعاف. ومجيء " اللام " بمعنى " عن " له نظائر، مثل قول الحق سبحانه:

.. وقال الذين كفروا للحق لما جآءهم إن هذآ إلا سحر مبين

[سبأ: 43]. وهم هنا لا يقولون للحق، ولكنهم يقولون عن الحق، وهكذا جاءت " اللام " بمعنى " عن ". وهكذا أوضح نوح - عليه السلام - أنه لو طرد من يقال عنهم " أراذل " ، لكان معنى ذلك أنه يعلم النوايا، ونوح - عليه السلام - يعلم يقينا أن الله هو الأعلم بما في النفوس لذلك لا يضع نوح نفسه في موضع الظلم لا لنفسه ولا لغيره. يقول الحق سبحانه وتعالى بعد ذلك: ﴿ قالوا ينوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٢٦٠٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٢٦٠٢