تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

11.47

وهنا يدعو نوح عليه السلام ربه سبحانه وتعالى أن يغفر له ما قاله، وهو هنا يقر بأنه لما أحب أن يسأل نجاة ابنه لم يستطع أن يكتم سؤاله، ولكن الحق سبحانه وتعالى وحده هو القادر على أن يمنع من قلبه مثل هذا السؤال، وهذه قمة التسليم لله تعالى. وقول نوح عليه السلام: ﴿ إني أعوذ بك.. ﴾ [هود: 47]. يوضح لنا أن الإنسان لا يعوذ من شيء بشيء إلا إن كانت قوته لا تقدر على أن تمتنع عنه. ولذلك يستعيذ نوح عليه السلام من أن يسأل ما ليس له به علم، ويرجو مغفرة الله سبحانه وتعالى ورحمته حتى لا يكون من الخاسرين. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: ﴿ قيل ينوح اهبط بسلام... ﴾.

11.48

وقوله الحق سبحانه: ﴿ اهبط بسلام منا.. ﴾ [يونس: 48]. يدل على أن نوحا عليه السلام قد تلقى الأمر بالنزول من السفينة ليباشر مهمته الإيمانية في أرض فيها مقومات الحياة، مما حمل في تلك السفينة من كل زوجين اثنين، ومن معه من المؤمنين الذين أنجاهم الله تعالى، وأغرق من قالوا عليهم إنهم أراذل. وقول الحق سبحانه: ﴿ أمم ممن معك.. ﴾ [هود: 48]. تضمن أهل نوح عليه السلام ومن آمن به، وكذلك أمم الوحوش والطيور والحيوانات والدواب. أي: أنها إشارة إلى الأمة الأساسية، وهي أمة الإنسان وإلى الأمم الخادمة للإنسان، وهكذا توفرت مقومات الحياة للمؤمنين، ويتفرغ نوح وقومه إلى المهمة الإيمانية في الأرض. وقول الحق سبحانه: ﴿ اهبط بسلام منا.. ﴾ [هود: 48]. والمقصود بالسلام هو الأمن والاطمئنان، فلم يعد هناك من الكافرين ما ينغص على نوح - عليه السلام - أمره، ولن يجد من يكدر عليه بالقول:

جادلتنا فأكثرت جدالنا..

[هود: 32]. ولن يجد من يتهمه بالافتراء. ومن بقي مع نوح هم كلهم من المؤمنين، وهم قد شهدوا أن نجاتهم من الغرق قد تمت بفضل المنهج الذي بلغهم به نوح عن الله تعالى. وقول الحق سبحانه: ﴿ وبركات.. ﴾ [هود: 48]. يعني أن الحق سبحانه يبارك في القليل ليجعله كثيرا. ويقال: " إن هذا الشيء مبارك " كالطعام الذي يأتي به الإنسان ليكفي اثنين، ولكنه فوجىء بخمسة من الضيوف، فيكفي هذا الطعام الجميع. إذن: فالشيء المبارك هو القليل الذي يؤدي ما يؤديه الكثير، مع مظنة أنه لا يفي. وكان يجب أن تأتي هنا كلمة ﴿ وبركات ﴾ لأن ما يحمله نوح - عليه السلام - من كل زوجين اثنين إنما يحتاج إلى بركات الحق سبحانه وتعالى ليتكاثر ويكفي. وقول الحق سبحانه: ﴿.. وعلى أمم ممن معك وأمم سنمتعهم ثم يمسهم منا عذاب أليم ﴾ [هود: 48]. هذا القول يناسب الطبيعة الإنسانية، فقد كان المؤمنون مع نوح - عليه السلام - هم الصفوة، وبمضي الزمن طرأت الغفلة على بعض منهم، ويأتي جيل من بعدهم فلا يجد الأسوة أو القدوة، ثم تحيط بالأجيال التالية مؤثرات تفصلهم تماما عن المنهج. وفي هذا يقول الرسول صلى الله عليه وسلم:

" ينام الرجل النومة فتقبض الأمانة من قلبه، فيظل أثرها مثل أثر الوكت، ثم ينام النومة فتقبض الأمانة من قلبه فيظل أثرها كأثر المجل، كجمر دحرجته على رجلك فنفط، فتراه منتبرا، وليس فيه شيء، ثم أخذ حصى فدحرجه على رجله، فيصبح الناس يتبايعون، لا يكاد أحد يؤدي الأمانة، حتى يقال: إن في بني فلان رجلا أمينا، حتى يقال للرجل: ما أجلده! ما أظرفه! ما أعقله! وما في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان ".

وهكذا تطرأ الغفلة على أصحاب المنهج، ويقول صلى الله عليه وسلم:

" تعرض الفتن على القلوب كالحصير عودا عودا، فأيما قلب أشربها نكتت فيه نكتة سوداء، وأيما قلب أنكرها نكتت فيه نكتة بيضاء، حتى تصير على قلبين، على أبيض مثل الصفا لا تضره فتنة ما دامت السماوات والأرض، والآخر أسود مربادا كالكوز مجخيا لا يعرف معروفا، ولا ينكر منكرا إلا ما أشرب من هواه ".

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٢٦١٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٢٦١٥