11.26
ونحن نعلم أن نوحا عليه السلام محسوب على قومه، وهم محسوبون عليه ولذلك نجده خائفا عليهم لأن الرباط الذي يربطه بهم رباط جامع قوي. وكذلك نجد الحق سبحانه يحنن قلوب الرسل إليهم لعلهم يحسنون استقبال الرسول. ومثال ذلك: قول الحق سبحانه:
وإلى عاد أخاهم هودا..
[الأعراف: 65]. ولأن الرسول أخ لهم فلن يغشهم أو يخدعهم. واستقبل الملأ من قوم نوح الأمر بما يقوله الحق سبحانه عنهم: ﴿ فقال الملأ الذين كفروا من قومه... ﴾.
11.27
والملأ - كما نعلم - هم وجوه القوم، وهم السادة الذين يملأون العيون مهابة، ويتصدرون أي مجلس. وهناك مثل شعبي في بلادنا يوضح ذلك المعنى حين نقول: " فلان يملأ العين ". أي: أن العين حين تنظر إليه لا تكون فارغة، فلا جزء في العين يرى غيره. ويقال أيضا: " فلان قيد النواظر " أي: أنه إذا ظهر تقيدت به كل النواظر، فلا تلتفت إلى سواه، ولا يمكن أن يكون كذلك إلا إذا كانت فيه مزايا تجذب العيون إليه بحيث لا تتحول عنه. والمراد بذلك هو الحاشية المقربة، أو الدائرة الأولى التي حول المركز، فحول كل مركز هناك دوائر، والملأ هم الدائرة الأولى، ثم تليهم دائرة ثانية، ثم ثالثة وهكذا، والارتباك إنما ينشأ حين يكون للدائرة أكثر من مركز، فتتشتت الدوائر. ورد الذين يكونون الملأ على سيدنا نوح قائلين: ﴿ ما نراك إلا بشرا مثلنا.. ﴾ [هود: 27]. أي: أنه لا توجد لك ميزة تجعلك متفوقا علينا، فما الذي سودك علينا لتكون أنت الرسول؟ وقولهم هذا دليل غباء لأن الرسول ما دام قد جاء من البشر، فسلوكه يكون أسوة، وقوله يصلح للاتباع، ولو كان الرسول من غير البشر لكان من حق القوم أن يعترضوا لأنهم لن يستطيعوا اتخاذ الملاك أسوة لهم. ولذلك بين الحق سبحانه هذه المسألة في قوله تعالى:
وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جآءهم الهدى إلا أن قالوا أبعث الله بشرا رسولا
[الإسراء: 94]. وجاء الرد منه سبحانه بأن قل لهم:
.. لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم من السمآء ملكا رسولا
[الإسراء: 95]. إذن: فالرسول إنما يجيء مبلغ منهج وأسوة سلوك، فإذا لم يكن من جنس البشر، فالأسوة لن تصلح، ولن يستطيع إلا البلاغ فقط. ومثال ذلك: أنت حين ترى الأسد في أي حديقة من حدائق الحيوان، يصول ويجول، ويأكل اللحم النيء المقدم له من الحارس، أتحدثك نفسك أن تفعل مثله؟.. طبعا لا، لكنك إن رأيت فارسا على جواد ومعه سيفه، فنفسك قد تحدثك أن تكون مثله. وهكذا نجد أن الأسوة تتطلب اتحاد الجنس ولذلك قلنا: إن الأسوة هي الدليل على إبطال من يدعي الألوهية لعزير أو لعيسى عليهما السلام. ثم يقول الحق سبحانه وتعالى ما جاء على لسان الملأ الكافر من قوم نوح: ﴿ وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا.. ﴾ [هود: 27]. والأراذل جمع " أرذل " ، مثل قولنا: " أفاضل قوم " ، وهي جمع " أفضل ". والأرذل هو الخسيس الدنيء في أعين الناس. ورذال المال أي: رديئه. ورذال كل شيء هو نفايته.
ونرى في الريف أثناء مواسم جمع " القطن " عملية " فرز " القطن، يقوم بها صغار البنين والبنات، فيفصلون القطن النظيف، عن اللوز الذي لم يتفتح بالشكل المناسب لأن اللوزة المصابة عادة ما تعاني من ضمور، ولم تنضج النضج الصحيح. وكذلك يفعل الفلاحون في موسم جمع " البلح " ، فيفصلون البلح الجيد عن البلح المعيب. إذن: فرذال كل شيء هو نفايته. وقد قال الملأ من الكفار من قوم نوح: ﴿ وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا.. ﴾ [هود: 27]. أي: أنهم وصفوا من آمنوا بنوح عليه السلام بأنهم نفاية المجتمع. وجاء الحق على ألسنتهم بقولهم في موضع آخر:
.. واتبعك الأرذلون
[الشعراء: 111]. ولم ينف نوح عليه السلام ذلك لأن الذين اتبعوه قد يكونون من الضعاف، وهم ضحايا الإفساد لأن القوي في المجتمع لا يقربه أحد ولذلك فإنه لا يعاني من ضغوط المفسدين، أما الضعاف فهم الذين يعانون من المفسدين فما إن يظهر المخلص لهم من المفسدين فلا بد أن يتمسكوا به. ولكن ذلك لا يعني أن الإيمان لا يلمس قلوب الأقوياء، بدليل أن البعض من سادة وأغنياء مكة استجابوا للدعوة المحمدية مثل: أبي بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعبد الرحمن بن عوف، رضي الله عنهم. ولكن الغالب في دعوات الإصلاح أنه يستجيب لها المطحونون بالفساد، هؤلاء الذين يشعرون بالغليان في مراجل الألم بسبب الفساد، وما إن يظهر داعية إلى الإصلاح ويريد أن يزحزح الفساد، فيلتفون حوله ويتعاطفون معه، وإن كانوا غير عبيد، لكن محكومين بالغير، فهم يؤمنون علنا برجل الإصلاح، وإن كانوا عبيدا مملوكين للسادة فهم يؤمنون خفية، ويتحمل القوي منهم الاضطهاد والتعذيب. إذن: فكل رسول يأتي إنما يأتي في زمن فساد، وهذا الفساد ينتفع به بعض الناس وطغيان يعاني منه الكثيرون الواقع عليهم الفساد والطغيان. ويأتي الرسول وكأنه ثورة على الطغيان والفساد لذلك يتمسك به الضعفاء ويفرحون به، وتلتف قلوبهم حوله. أما المنتفعون بالفساد فيقولون: إن أتباعك هم أراذلنا. وكأن هذا القول طعن في الرسول، لكنهم أغبياء لأن هذا القول دليل على ضرورة مجيء الرسول ليخلص هؤلاء الضعاف، ويجيء الرسول ليقود غضبة على فساد الأرض، ولينهي هذا الفساد. وهي غضبة تختلف عن غضبة الثائر العادي من الناس، فالثائر من الناس يرى من يصفق له من المطحونين بالفساد. لكن آفة الثائر من البشر شيء واحد، هي أنه يريد أن يستمر ثائرا، ولكن الثائر الحق هو الذي يثور ليهدم الفساد، ثم يهدأ ليبني الأمجاد، فلا يسلط السيف على الكل، ولا يفضل قوما على قوم، ولا يدلل من طغي عليهم، ويظلم من طغوا. بل عليه أن يحكم بين الناس بالعدل والرحمة لتستقيم الأمور، وتذهب الأحقاد، ويعلم الناس كلهم أن الثائر ما جاء ضد طائفة بعينها، وإنما جاء ضد ظلم طائفة لغيرها، فإذا أخذ من الظالم وأعطى المظلوم فليجعل الاثنين سواء أمام عينيه.