11.97
والملأ: هم القوم الذين يملأون العيون، ويتصدرون المجالس. ويقال: " فلان ملء العين " أي: لا تقتحمه العيون لأنه واضح ظاهر. فالملأ - إذن - هم أشراف القوم، وهم - عادة - الذين يزينون للطاغية الاستخفاف بالرعية. والحق سبحانه يقول:
فاستخف قومه فأطاعوه إنهم كانوا قوما فاسقين
[الزخرف: 54]. وحين يتكلم الحق سبحانه عن فرعون والملأ والقوم، نجده يبين ويفصل بين الملأ من جهة، وفرعون من جهة أخرى، وكذلك يفصل بين الفرعون والملأ من جهة، والقوم من جهة أخرى.. فلكل طرف من تلك الأطراف الثلاثة أسلوب يعامله الحق سبحانه به. وهنا يبين لنا الله سبحانه أن الملأ قد اتبعوا أمر فرعون، هذا الأمر الذي يصفه الحق سبحانه بقوله: ﴿.. ومآ أمر فرعون برشيد ﴾ [هود: 97]. والرشد يقابله الغي، وهذا القول يدلنا على أن الملأ من قوم فرعون لم يتدارسوا أمر فرعون بتأن، ولم تستقبله عقولهم بالبحث، وهم لو فعلوا ذلك لما اتبعوا أمر فرعون. ويبين الحق سبحانه لنا عدم رشد أمر فرعون، فهو يذكر لنا ما يحدث له يوم القيامة هو وقومه، فيقول تعالى: ﴿ يقدم قومه يوم القيامة... ﴾.
11.98
وكلمة " يقدم " هي من مادة " القاف " و " الدال " و " الميم ". وعند استخدام هذه المادة في التعبير قولا أو كتابة، فهي تدل على الإقبال بالمواجهة فيقال: " قدم فلان " دليل إقباله عليك مواجهة. وإذا قيل: " أقبل فلان " فهذا يعني الإقبال بشيء من العزم. و " قدم القوم يقدمهم " أي: أنهم يتقدمون في اتجاه واحد، ومن يقودهم يتقدمهم. ويفهم من هذا أن فرعون اتبعه الملأ، والقوم اتبعوا الملأ وفرعون، وما داموا قد اتبعوه في الأولى فلا بد أن يتبعوه في الآخرة. ويأتي القرآن بآيات ويبينها، مثل قول الحق سبحانه:
فوربك لنحشرنهم والشياطين ثم لنحضرنهم حول جهنم جثيا * ثم لننزعن من كل شيعة أيهم أشد على الرحمن عتيا * ثم لنحن أعلم بالذين هم أولى بها صليا
[مريم: 68-70]. فالحق سبحانه ينزع من كل جماعة الأشد فتوة وسطوة، ويلقيه في النار، لأنه أعلم بمن يجب أن يصلى السعير. ويقول الحق سبحانه:
وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما مقضيا * ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا
[مريم: 7172]. ولم يقل الحق سبحانه: " وإن منهم إلا واردها ". وإنما قال:
وإن منكم إلا واردها..
[مريم: 71]. وبذلك عمم الخطاب للكل، أو أنه يستحضر الكفار ويترك المؤمنين بمعزل. وهنا يقول الحق سبحانه عن قوم فرعون: ﴿.. فأوردهم النار وبئس الورد المورود ﴾ [هود: 98]. وحين تكلم كتاب الله الكريم عن " الورود " ، وهو الكتاب الذي نزل بلسان عربي مبين، نجد أن الورود يأتي بمعنى الذهاب إلى الماء دون شرب من الماء، قلت: " ورد يرد ورودا " ، وإن أردت التعبير عن شرب الماء مع الورود، فقل: " ورد يرد وردا " بدليل أن الحق سبحانه يقول هنا: ﴿.. وبئس الورد المورود ﴾ [هود: 98]. أي: أنهم يشعرون بالبؤس لحظة أن يروا ماء جهنم ويشربون منه. إذن: فكلمة " الورد " تطلق على عملية الشرب من الماء، وقد تطلق على ذات الواردين مثل قوله:
ونسوق المجرمين إلى جهنم وردا
[مريم: 86]. وقد قال الشاعر الجاهلي زهير بن أبي سلمى في معلقته:
فلما وردن الماء زرقا جمامه
وضعن عصي الحاضر المتخيم
والشاعر هنا يصف الركب ساعة يرى المياه الزرقاء الخالية من أي شيء يعكرها أو يكدرها، فوضع القوم عصا الترحال. وكان الغالب قديما أن يحمل كل من يسير عصا في يده، مثل موسى عليه السلام حين قال:
هي عصاي أتوكأ عليها وأهش بها على غنمي ولي فيها مآرب أخرى
[طه: 18]. ويقول الشاعر:
فألقت عصاها واستقر بها النوى
كما قر عينا بالإياب المسافر
فساعة رأى الركب المياه زرقاء، فهذا يعني أنها مياه غير مكدرة. ونحن نعلم أن المياه لا لون لها، ولكنها توصف بالزرقة إن كانت خالية من الشوائب، شديدة الصفاء، فتنعكس عليها صورة السماء الزرقاء. والشاعر يصف قومه ساعة أن وصلوا إلى الماء الصافي وتوقفوا وأقاموا في المكان. وهكذا نجد أن الورود يعني الذهاب إلى الماء دون الشرب منه. والورد للماء يفرح النفس أولا، ثم يورده ويرويه ما يشربه منها، ومن يرد الماء لا شك أنه يعاني من ظمأ يريد أن يرويه، وحرارة كبد يريد أن يبردها. وهنا يقول الحق سبحانه: ﴿.. وبئس الورد المورود ﴾ [هود: 98]. وفي هذا تهكم شديد، لأنهم - قوم فرعون - ساعة يرون الماء يشعرون بقرب ري الظمأ وإبراد الحرارة، ولكنهم يشربون من ماء جهنم، فبئس ما يشربون، فهو يطمعهم أولا، ثم يؤيسهم بعد ذلك. كما في قوله سبحانه: