11.70
وحين رأى إبراهيم أن أيديهم لا تصل إلى الطعام توجس من ذلك شرا ونكرهم، أي: استنكر أنهم لم يأكلوا من طعام قدمه لهم، فهل علم إبراهيم أنهم ملائكة؟ لقد علم إبراهيم عليه السلام أنهم ملائكة من كلامهم. وقد بين ذلك قول الحق سبحانه في موضع آخر من القرآن:
إذ دخلوا عليه فقالوا سلاما قال إنا منكم وجلون * قالوا لا توجل إنا نبشرك بغلام عليم * قال أبشرتموني على أن مسني الكبر فبم تبشرون * قالوا بشرناك بالحق فلا تكن من القانطين * قال ومن يقنط من رحمة ربه إلا الضآلون * قال فما خطبكم أيها المرسلون * قالوا إنآ أرسلنآ إلى قوم مجرمين
[الحجر: 52-58]. إذن: فهم لم يقولوا له مثلما قالوا للوط عليه السلام:
إنا رسل ربك..
[هود: 81]. وهنا حين قالوا لإبراهيم عليه السلام: ﴿.. لا تخف إنا أرسلنا إلى قوم لوط ﴾ [هود: 70]. أي: أنهم فهموا أن إبراهيم عليه السلام يعلم أنهم ملائكة لأن الملك قد يتشكل في هيئة إنسان، مثلما تشكل جبريل عليه السلام أمام سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم. وكذلك الجن لهم قدرة على التشكل، إلا أن هناك فارقا بين تشكل الملك وتشكل الجن، فالجن إن تشكل تحكمه الصورة، فإن تشكل في صورة رجل فيمكنك أن تمسك به وتؤذيه. ألم يقل رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" إن عفريتا من الجن تفلت البارحة ليقطع علي صلاتي، فأمكنني الله منه، فأخذته، فأردت أن أربطه على سارية من سواري المسجد، حتى تنظروا إليه كلكم، فذكرت دعوة أخي سليمان: ﴿ قال رب اغفر لي وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي إنك أنت الوهاب ﴾. فرددته خاسئا ".
إذن: إذا تشكل الجن حكمته الصورة، ويمكن أن نضربه مثلا، أما الملاك إذا تشكل فالصورة لا تحكمه. وحكم الصورة عند تشكل الجني هي التي تحمينا من مخاوفنا، وهو أيضا يخاف منا مثلما نخاف منه، ولذلك لا يظهر الجني متشكلا في صورة إلا لحظة قصيرة ليختفي على الفور لأنه يخاف أن تكون قد علمت أن الصورة التي تشكل عليها تحكمه وتستطيع أن تفتك به لذلك فالجن يخافون من البشر. وشاء الحق سبحانه ذلك الأمر حتى لا يفزع الجن الناس. وهنا يقول الحق سبحانه: ﴿ فلما رأى أيديهم لا تصل إليه نكرهم.. ﴾ [هود: 70]. وكلمة ﴿ نكرهم ﴾ تقتضي أن ننظر في مادة " النون والكاف والراء " وكلمة " نكر " وكلمة " أنكر " كلتاهما مستعملة في القرآن. والشاعر يقول:
وأنكرتني وما كان الذي نكرت
من الحوادث إلا الشيب والصلعا
والاستعمال اللغوي يدل على أن المقابح من ألوان السلوك تسمى منكرات، أي: ينكرها الإنسان بفطرته.
وهنا حين رأى إبراهيم عليه السلام أن أيديهم لا تصل إلى العجل الحنيذ نكرهم، وأوجس في نفسه خيفة، فلاحظوا ذلك، وقالوا: ﴿.. لا تخف إنا أرسلنا إلى قوم لوط ﴾ [هود: 70]. وهكذا عرف لمن جاءوا، واطمأن أن قومه لم يأتوا بفعل يستحقون عليه العذاب، وخصوصا أن كتب التاريخ تقول: إن إمرأة إبراهيم عليه السلام قالت له: ألا تضم ابن أخيك إلى كنفك هنا لأن قومه يوشك أن يعمهم الله بالعذاب. وحين سمعت أن الرسل إنما جاءت إلى قوم لوط سرت من فراستها، وتبسمت لأنها تنبهت إلى هذه المسألة. وفي آية أخرى يقول الحق سبحانه:
قالوا إنآ أرسلنآ إلى قوم مجرمين * لنرسل عليهم حجارة من طين * مسومة عند ربك للمسرفين
[الذاريات: 32-34]. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: ﴿ وامرأته قآئمة فضحكت فبشرناها بإسحاق... ﴾.