إن الأبرار لفي نعيم
[الانفطار: 13]. فلا بد أن يأتي إلى الذهن تساؤل عن مصير الفجار، فيقول الحق سبحانه:
وإن الفجار لفي جحيم
[الانفطار: 14]. وهذا التقابل يعطي بسطة النفس الأولى وقبضة النفس الثانية، وبين البسطة والقبضة توجد الموعظة، ويوجد الاعتبار. ويأتي الحق سبحانه هنا بالمقابل للمشركين الذين صدوا عن سبيل الله، فصاروا إلى النار، والمقابل هم المؤمنون أصحاب العمل الصالح. فيقول الحق سبحانه: ﴿ إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات... ﴾.
11.23
الإيمان - كما نعلم - أمر عقدي، يعلن فيه الإنسان إيمانه بإله واحد موجود، ويلتزم بالمنهج الذي أنزله الله سبحانه وتعالى على الرسول صلى الله عليه وسلم، ومن آمن بالله تعالى ولم يعمل العمل الصالح يتلق العقاب لأن فائدة الإيمان إنما تتحقق بالعمل الصالح. لذلك نجد الحق سبحانه وتعالى يقول لنا:
قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا..
[الحجرات: 14]. أي: اتبعتم ظاهر الإسلام. وهكذا نعرف أنه يوجد متيقن بصحة واعتقاد بأن الإله الواحد الأحد موجود، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم مبلغ عن الله عز وجل لكن العمل الذي يقوم به الإنسان هو الفيصل بين مرتبة المؤمن، ومرتبة المعلم. فالذي يحسن العمل هو مؤمن، أما من يؤدي العمل بتكاسل واتباع لظواهر الدين، فهو المسلم، وكلاهما يختلف عن المنافق الذي يدعي الحماس إلى أداء العبادات، لكنه يمكر ويبيت العداء للإسلام الذي لا يؤمن به. وكان المنافقون على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أسبق الناس إلى صفوف الصلاة، وكانوا مع هذا يكتمون الكيد ويدبرون المؤامرات ضد النبي صلى الله عليه وسلم. وهنا يقول الحق سبحانه وتعالى: ﴿ إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات وأخبتوا إلى ربهم.. ﴾ [هود: 23]. هذا القول يبين لنا أن معيار الإيمان إنما يعتمد على التوحيد، وإتقان أداء ما يتطلبه منهج الله سبحانه، وأن يكون كل ذلك بإخبات وخضوع، ولذلك يقال: رب معصية أورثت ذلا وانكسارا، خير من عبادة أورثت عزا واستكبارا. أي: أن المؤمن عليه ألا يأخذ العبادة وسيلة للاستكبار. وكلمة ﴿ وأخبتوا ﴾ أي: خضعوا خشية لله تعالى، فهم لا يؤدون فروض الإيمان لمجرد رغبتهم في ألا يعاقبهم الله، لا بل يؤدون فروض الإيمان والعمل الصالح خشية لله. وأصل الكلمة من " الخبت " وهي الأرض السهلة المطمئنة المتواضعة، وكذلك الخبت في الإيمان. ويصف الحق سبحانه أهل الإيمان المخبتين بأنهم: ﴿.. أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون ﴾ [هود: 23]. أي: الملازمون لها، وخلودهم في الجنة يعني أنهم يقيمون في النعيم أبدا، ونعيم الجنة مقيم ودائم، على عكس نعيم الدنيا الذي قد يفوته الإنسان بالموت، أو يفوت النعيم الإنسان بالسلب لأن الإنسان في الدنيا عرضة للأغيار، أما في الآخرة، فأهل الإيمان أصحاب العمل الصالح المخبتون لربهم، فهم أهل النعيم المقيم أبدا. وهكذا عرض الحق سبحانه حال الفريقين: الفريق الذي ظلم نفسه بافتراء الكذب وعلى الله، وصدوا عن سبيل الله، وابتغوا الأمر عوجا، هؤلاء لن يعجزوا الله، وليس لهم أولياء يحمونهم من العذاب المضاعف. وهم الذين خسروا أنفسهم، ولن يجدوا عونا من الآلهة التي عبدوها من دون الله، ولا شيء بقادر على أن يفصل بينهم وبين العذاب، وهم الأخسرون. أما الفريق الثاني فهم الذين آمنوا وعملوا الأعمال الصالحة بخشوع وخشية ومحبة لله سبحانه وتعالى، وهم أصحاب الجنة الخالدون فيها. إذن: فلكل فريق مسلكه وغايته. لذلك يقول الحق سبحانه بعد ذلك: ﴿ مثل الفريقين كالأعمى والأصم... ﴾.